النزاعات المهنية داخل المدارس تحت مجهر الوزارة
قررت وزارة التربية الوطنية استدعاء مديري الأطوار التعليمية الثلاثة إلى ندوة وطنية “مفصلية”، تحت عنوان: “الإدارة التربوية الحديثة: نحو مؤسسة تربوية فعالة”، وذلك لأجل فتح النقاش وتسليط الضوء على مسألة الارتفاع المقلق للنزاعات المهنية داخل المدارس، الأمر الذي استوجب التدخل العاجل لإعادة الأمور إلى نصابها، خاصة بعد صدور القانون الأساسي الجديد رقم 54/25، ودخوله حيز التنفيذ، حيث حمل في طياته عديد الأحكام القانونية لأجل إنهاء أزمة تداخل الصلاحيات بين الأطقم الإدارية.
وفي الموضوع، أبرزت مصادر “الشروق” أنه لم يعد خافياً على المتابعين للشأن التربوي أن القطاع يعيش توترات بسبب تجاوزات إدارية كبيرة في الميدان، لاسيما رفض أداء المهام وتداخلها في أغلب الأحيان خلال الموسم الحالي بين المدير والناظر ومستشار التربية ومشرفها، حيث تم الوقوف على تضاعف وتيرة الشكاوى المرفوعة من قبل الأساتذة والأولياء وحتى الإداريين، والتي كشفت عن وجود “فجوة” عميقة في نمط التسيير المعتمد من طرف بعض مديري المؤسسات التربوية وليس جميعهم.
وفي هذا الصدد، لفتت مصادرنا إلى أن لجان التحقيق التي طافت بعدد من المؤسسات التربوية للأطوار التعليمية الثلاثة قد وقفت على تجاوزات بالجملة، اتضح أنها تتعلق أساسا بسوء استخدام السلطة، والمنازعات والخلافات المهنية، والتي تسببت في تعطيل السير الحسن للتمدرس، مما جعل الوزارة الوصية تدرك أن الحل لا يكمن في تسليط العقوبات الإدارية وحدها، بل في إعادة صياغة مفهوم “القيادة التربوية”.
آلية لضمان وصول صوت الميدان الحقيقي
وإلى ذلك، أشارت ذات المصادر إلى أن رئيس الديوان بالوزارة قد أعلن في منشور وزاري صادر عنه بتاريخ 11 جانفي الجاري، حامل لرقم 14، بأنه قد تم تحديد 21 جانفي الجاري كآخر أجل لاستقبال قوائم المديرين المشاركين في الندوة الوطنية، حيث أمر في هذا الصدد بضرورة إجراء “القرعة” لاختيار الممثلين عن كل مرحلة تعليمية، وفق التمثيل التالي: خمسة مديرين عن مرحلة التعليم الابتدائي وثلاثة مديرين عن مرحلة التعليم المتوسط وممثلين اثنين “02” عن مرحلة التعليم الثانوي، وذلك بحضور أعضاء اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء، مع ضرورة تبليغ المعنيين بالمشاركة في الندوة.
وبخصوص اللجوء إلى اعتماد “القرعة” لانتقاء المشاركين، أوضحت مصادرنا أن هذه الخطوة تعكس رغبة الوزارة الوصية في تحييد أي تأثير لمديريات التربية الولائية، ورغم الطابع التقني للإجراء، إلا أنه سيسمح لمختلف الفئات، بما في ذلك من هم في قلب النزاعات أو من يملكون رؤى نقدية، بالمشاركة في هذه الندوة الوطنية، خاصة وأن الوزارة تريد سماع صوت الميدان الحقيقي لا صوت “التقارير المجملة” التي كانت ترفعها بعض المصالح الولائية للتغطية على التجاوزات.
ومن هذا المنطلق، فإن هذه الندوة الوطنية تأتي كمحاولة لضبط عقارب الساعة على نموذج “الإدارة الحديثة”، وعليه، فالهدف المعلن هو “مؤسسة فعالة”، أما المبتغى غير المعلن فهو وقف نزيف المنازعات والشكاوى التي أثقلت كاهل الوزارة الوصية وأثرت سلباً على استقرار القطاع.
ومن ثم، يبدو أن الوزارة تريد من خلال هذه الندوة الوطنية، وضع النقاط على الحروف فيما يخص تحديد الصلاحيات وضبط المهام والمسؤوليات بدقة، وتلقين المديرين أساليب تسيير حديثة بعيدة عن “البيروقراطية” و”الصدامية” التي ميزت الفترة الماضية، وأدت بذلك إلى تدخل لجان التحقيق في أكثر من مناسبة.
وعليه، فإن نجاح هذه الندوة الوطنية، لن يُقاس بحجم التوصيات التي ستخرج بها ولا النتائج التي سترفع، بل بمدى قدرتها على تقليص حجم الشكاوى والمنازعات في الميدان، فهل ستنجح “الإدارة الحديثة” في امتصاص غضب الفاعلين التربويين وطيّ صفحة لجان التحقيق؟ الأيام القليلة القادمة كفيلة بالإجابة.