الرأي

“الهارد” و”المهرود”!

جمال لعلامي
  • 2995
  • 16

أمسكت نفسي كثيرا، حتى لا أكتب عن إضراب الأطباء المقيمين، لكن تطوّر معاناتهم إلى معاناة يتكبّد خسائرها المرضى، يستدعي التوقف عند الموضوع بكل واقعية وحيادية وموضوعية، بلا تشنّج أو ميل أو دفاع أو هجوم، ودون أن نغفل باقي الكثير من القطاعات الأخرى التي يعاني العديد من موظفيها الأمرين، إمّا لطبيعة القطاع نفسه، أو بسبب ظروف معيّنة!

صحيح أن عددا كبيرا من الأطباء “مظلومون” بالطول والعرض، لكن صحيح أيضا أن هناك عددا لا يستهان به من الأطباء “المحظوظين”، ومنهم من هم متهمون بالبزنسة والسمسرة، وحتى تحويل أو “تهريب” المرضى من المستشفيات العمومية إلى عياداتهم الخاصة.. وهنا، قد تتعلق هذه “التهمة” بأطباء كبار، وليس “مزلوطي” المهنة، كغيرها من المهن!

لا يُمكن لطالب “خبزة حلالية” أن يختار مكان وتوقيت الحصول عليها، بمعنى أن رفض العمل مثلا -في أي قطاع- بالمناطق المعزولة والنائية والمنسية، وبأقصى نقطة من الصحراء، لا يُمكن أن يكون معقولا ومقبولا، إلاّ إذا توفرت سلسلة من الأسباب والمبررات، أمّا أن يرفض هذا أو ذاك، سواء في الصحّة أم التعليم أم القضاء أم الإعلام أم الإدارة أم الصناعة، ومختلف المصالح الأخرى، “التعيين” في غير ما يريده، فهذا يرسم علامات تعجب!

نعم، العامل في تينزاواتين، ليس كالموظف على شاطئ البحر، والعامل في رأس الجبل، ليس كمن يعمل في قلب المدينة، ومن يعمل في نار الحجار، ليس كمن يشتغل تحت نسمات المبرّد في مكتب هادئ، وبالتالي من الضروري هنا “التمييز والمفاضلة” بين ظروف المستخدمين وطبيعة أعمالهم، لكن هذا لا يعني بالمقابل، اشتراط العمل حصريا حيث “الجنة” فقط!

مشكلة “الحرارة” وبُعد المسافات وصعوبة الحياة ووسائل النقل والسكنات الوظيفية وظروف التمدرس، والانقطاع عن الأهل، والابتعاد عن مسقط الرأس، وغيرها من المصاعب والمتاعب والمصائب، هي في الأصل والفصل، لا تخصّ فقط قطاع الصحة، بل هناك قطاعات أخرى، لا داعي لتسميتها، تعاني أكثر، وتواجه المخاطر أضعاف الأضعاف، وربما، فإن المقابل المادي، والامتيازات، تبقى قليلة مقارنة بمن يُريد المزيد!

الحقّ يُقال، إن الجيل الجديد من الموظفين والعمال، يختلف كثيرا في الشكل والمضمون عن الجيل الأول من المستخدمين، فالأول، “يُطالب ويُطالب”، وأحيانا دون أن يكدّ ويعمل، والثاني كان “يأخذ ويُطالب”، وقبل ذلك فإنه يجتهد ويُثابر ويُكافح ويضحّي ويُنتج، دون أن يفتعل المشاكل والأعذار، والأهم من ذلك، أنه لا ينتظر لا جزاء ولا شكورا، رغم أن “التاعس يخدم على الناعس” و”الهارد” يستفيد بدل “المهرود”، في أكثر من وظيفة، وعبر أكثر من قطاع!

مقالات ذات صلة