-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الهبّة الفلسطينية‮.. ‬امنعُوا الخسارة

عامر أبو شباب
  • 679
  • 0
الهبّة الفلسطينية‮.. ‬امنعُوا الخسارة

تتواصل الهبّة الشعبية اليتيمة في‮ ‬الزمن المهزوم،‮ ‬كمعركة الكرامة بعد هزيمة حزيران‮ ‬1967‭ ‬التي‮ ‬لازلنا نجني‮ ‬علقمها،‮ ‬وكأي‮ ‬فعل شعبي‮ ‬كفاحي‮ ‬محترم منذ إضراب‮ ‬1936‮ ‬حتى الانتفاضة الثانية،‮ ‬ونحن نجني‮ ‬ربيع شباب دما وخسارة بسبب ضعف جسارة القيادة السياسية المبعثرة بين الحسابات والمصالح‮ ‬دون استثناء‮.‬

في‮ ‬التوقيت الضروري،‮ ‬استلّ‮ ‬شباب فلسطين سكاكينهم في‮ ‬وجه الغرور الاسرائيلي،‮ ‬والصمت القادم من الأمم المتحدة ليقول إن‮ “‬شعبي‮ ‬قنبلتي‮” ‬رغم إدراكه أن زمن تفتيت المنطقة هو زمن الحد من الخسائر،‮ ‬إلا أنه تحرك بمنطق‮ “‬ليس لديّ‮ ‬ما أخسره‮”‬،‮ ‬ولكنه فوجئ أن الفارق بين التصفيق في‮ ‬مسرح الجمعية العامة للأمم المتحدة،‮ ‬واطلاق الرصاص على الفلسطيني‮ ‬أكبر من المراهنة على ضمير العالم المصاب بالسرطان‮.‬

مشاهد البطولة الفردية في‮ ‬شوارع فلسطين،‮ ‬التي‮ ‬أجبرت نتنياهو المسكون بالخوف من الفشل على إخراج مخططاته للعلن بيد الولايات المتحدة،‮ ‬لأن الكلام على الورق‮ ‬يختلف تماما عن‮ “‬البرم‮” ‬في‮ ‬استديو مكيف،‮ ‬وبدون‮ ‬يأس‮ ‬يجب أن نرسم مشاهد الوضع الفلسطيني‮ ‬ومحيطه بوضوح كالتالي‮.‬

‭ ‬

صورتان في‮ ‬المشهد الفلسطيني‮ ‬الحائر

الصورة الأولى‮: ‬السلطة الفلسطينية وبالتحديد حركة فتح رأت في‮ ‬سكاكين الشباب فرصة لتحسين الشروط وليس إحداث تحوّل استراتيجي‮ ‬في‮ ‬الوضع اعتمادا على حسابات واقعية تقول‮: “‬لا نريد لشعبنا ما حدث للسوريين أو على الأقل ما حدث في‮ ‬غزة‮”‬،‮ ‬لذلك بقيت خطوات المحاصرين بما‮ ‬يعلمون إقليميا ودوليا مرتبكة‮.. ‬ضعيفة،‮ ‬تراهن على المجهول،‮ ‬وكأنها خطوات عبثية،‮ ‬ويرى أبو مازن بوضوح الخلاف أمامه في‮ ‬المركزية،‮ ‬وتعنت الرجوب مع أهم حليف للسلطة من أجل مباراة كرة قدم وكأنه‮ ‬يردّ‮ ‬على موقف الرئيس من التصويت في‮ ‬الفيفا ومصالحة الأمير علي‮ ‬بن الحسين‮.‬

بالتأكيد،‮ ‬أبو مازن لن‮ ‬يطلق الرصاص من بندقية قوات حرس الرئاسة الذي‮ ‬تدرَّب في‮ ‬الأردن بقرار أمريكي‮ ‬وموافقة اسرائيلية،‮ ‬على أحذية الجنود التي‮ ‬تطأ أرض الدولة الفلسطينية ولا حتى صوب خنازير المستوطنين في‮ ‬قرى الضفة،‮ ‬لأن أبو عمار أطلق الرصاص على اتفاق باراك‮ – ‬بيل كلينتون،‮ ‬ليستقر قبراً‮ ‬بجوار المقاطعة في‮ ‬نوفمبر‮ ‬2004،‮  ‬بعد‮ ‬3‮ ‬جنازات في‮ ‬باريس والقاهرة ورام الله كما أراد‮.‬

وهنا الرجل المسكون بخبرات الماضي‮ ‬يريد فقط مقاومة شعبية سلمية تخرج بعشرات الآلاف،‮ ‬لكن ذلك أكبر من قدرة أمناء سر الأقاليم،‮ ‬وتجربة‮ ‬غاندي‮ ‬ومانديلا انتهت في‮ ‬زمن الصراخ عبر الفيس بوك‮.‬

الصورة الثانية‮:‬‭ ‬تدرك حركة حماس والفصائل الأخرى بعد ثلاثة حروب وكيس الإسمنت المراقَب،‮ ‬أن زمن السلاح انتهى تحت معادلة الخطأ تقابله‮ ‬غارة،‮ ‬فجنون العسكرية الاسرائيلية بنى منظومته على مبدأ الضاحية،‮ ‬فلا مانع من تدمير حيٍّ‮ ‬كامل ردا على صاروخ‮ ‬غير قاتل‮. ‬وتخشى حماس وهي‮ ‬التي‮ ‬دخلت الانتفاضتين الأولى والثانية بعد تفكير ووقت أن تدخل كمين‮ “‬الإرهاب‮” ‬المحكَم،‮ ‬لذلك لن تسمح لأبي‮ ‬مازن أن‮ ‬يلوّح ببندقيتها مرة أخرى قائلا‮: “‬أنا أعقل الفلسطينيين‮.. ‬تحاوروا معي‮”.‬

وبحكمة،‮ ‬وربما جبن مبرّر،‮ ‬تدرك حماس أن خطف ثلاثة مستوطنين في‮ ‬الضفة سيجلب الغارات على الجامعة الاسلامية بغزة،‮ ‬ولماذا تستثمر الحركة في‮ ‬الضفة التي‮ ‬لم تخرج لعناصرها مظاهرة واحدة خلال‮ ‬51‭ ‬يوما من القصف؟ وباتت تعلم أن الضفة هي‮ “‬يهودا والسامرة‮” ‬في‮ ‬العقل العِبري‮ ‬ودخول مدفع هاون محرم تماما‮.‬

اذن الحل‮.. ‬الحفاظ على‮ ‬غزة،‮ ‬ولا مانع من تصبير الموظفين بتوزيع الأرض المحررة عليهم بانتظار متغيرات إزالة أبو مازن بعد قمة‮ (‬كيري‮ ‬ـ نتنياهو ـ عبد الله‮) ‬بدون المحاصر الجديد قرب بيت آيل باعتباره ليس شريكاً‮.‬

‭ ‬

المشهد الاسرائيلي‮ ‬دموي

ادرك نتنياهو الذي‮ ‬واجه هبة النّفق عام‮ ‬1996،‮ ‬أن الفلسطينيين لجأوا إلى الدم بعد فشل السلم،‮ ‬وهو‮ ‬يرى الهلع بين الجنود والمستوطنين الذين تمتعوا بنعمة توقف العمليات الاستشهادية منذ زمن،‮ ‬وعلم نتنياهو أن معادلة الحافلات والأسواق الفارغة هي‮ ‬السلاح الفلسطيني‮ ‬الخطير،‮ ‬فقرر الاستفادة من خطة‮ “‬انتقال الرعب إلى المعسكر الآخر‮”‬،‮ ‬فأطلق العنان للجنود والشرطة لإطلاق الرصاص على كل ذي‮ ‬بشرة عربية لمجرد الشك،‮ ‬أو وضع شاب أو شابة‮ ‬يده في‮ ‬الجيب وهو‮ ‬يمر بعيدا عن مستوطِن‮.‬

ويدرك نتنياهو أن طائرات الاستطلاع فوق بيوت‮ “‬قادة المقاومة‮” ‬تمنع قرار تطوير السلاح من سكين إلى حزام ناسف،‮ ‬ويدرك أن‮ “‬قادة السلطة‮” ‬لن‮ ‬يفقدوا سلاح السلمية بعد استشهاد‮ ‬ياسر عرفات،‮ ‬لتصبح المعركة مع حالات فردية فقط‮.‬

ويكفي‮ ‬أن‮ ‬يهدّد نتنياهو بسحب الهويات من مخيمات القدس،‮ ‬لأن المعركة في‮ ‬نظره أكبر من صلاة‮ “‬عجل أحمر‮” ‬في‮ ‬الهيكل،‮ ‬إنها معركة العاصمة الموحّدة قبل أي‮ ‬حل‮ ‬يأتي‮ ‬بعد توزيع سوريا والعراق،‮ ‬ولا مانع من كاميرات تسمح بتقنين ترحيل شباب رائد صلاح،‮ ‬لأن أيمن عودة فقط هو‮ “‬ممثل الأقلية العربية‮”.‬

‭ ‬

المشهد العربي‮ ‬دمشقي‮ ‬بامتياز

‬هذا هو المشهد السياسي،‮ ‬أوراق فلسطينية ضعيفة،‮ ‬وقيادة تقليدية وفصائل لا‮ ‬يخرج في‮ ‬مسيراتها إلا العشرات،‮ ‬وشعب أعزل‮ ‬يريد البقاء والكرامة فقط،‮ ‬ويعلم أن الحرية طريقٌ‮ ‬طويل،‮ ‬وحسابات تزداد تعقيدا،‮ ‬واحتلال شديد القسوة،‮ ‬وعرب‮ ‬غرقى في‮ ‬ربيع الفوضى‮.‬

نتنياهو‮ ‬يرى أنه الرابح في‮ ‬المحيط الفوضوي،‮ ‬فعودة الجيش السوري‮ ‬إلى حدود الجولان تم بموافقة روسية وعِلم اسرائيل،‮ ‬وعداء الأسد مع أنقرة والرياض والدوحة أكبر من عدائه لتل أبيب،‮ ‬وفي‮ ‬الشمال أيضا معركة حزب الله في‮ ‬قرى الشام أطول مما توقّع حسن نصر الله،‮ ‬والشارع اللبناني‮ ‬ينتفض من أجل القمامة وليس القدس،‮ ‬أما القاهرة فأعادت السفير الاسرائيلي‮ ‬في‮ ‬مقر جديد،‮ ‬ولن تنسى القيادة العسكرية أن اسرائيل تسامحت في‮ ‬تعديل كامب ديفيد في‮ ‬سيناء أكثر من عدم تسامح قطر في‮ ‬قرض البنك المركزي‮ ‬المصري،‮ ‬وبالمحصّلة معركة دمشق الآن أهم من‮ “‬طوشة القدس‮”.‬

أما الأردن،‮ ‬ممر الرئيس الوحيد وصاحبة الوصاية الدينية على المسجد الأقصى،‮ ‬فلن تسمح بوضع جديد‮ ‬يجبر حملة الجواز الأردني‮ ‬في‮ ‬الضفة على الرحيل إلى شوارع عمان،‮ ‬لأن سعر الرغيف بالكاد‮ ‬يمنع مظاهرات العشائر،‮ ‬وكذلك المعركة في‮ ‬درعا أهم من اطلاق النار في‮ ‬جنين‮.‬

‭ ‬

كيري‮ ‬وحسبة الأولويات

بعد ما أسقط أوباما القضية الفلسطينية من خطابه،‮ ‬لا‮ ‬يمكن لكيري‮ ‬الا استقبال أبو مازن في‮ ‬مكتبه بعمان،‮ ‬مع اشارة واضحة من السبابة ظهرت بكثرة في‮ ‬صور الأخبار،‮ ‬دون أن‮ ‬يذكر أن تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية لمؤسسات‮ ‬غير حكومية أكبر من حصة حكومة الحمد الله،‮ ‬وان المؤسسة الأمريكية استعادت نشاطها في‮ ‬غزة،‮ ‬كما أن باراك أوباما‮ ‬يفكر في‮ ‬ارسال قوات برية إلى سوريا والعراق مرة اخرى،‮ ‬في‮ ‬حساب صعب فرضته روسيا،‮ ‬ولا مانع من إنشاء محطة نووية في‮ ‬تل أبيب لصالح حسابات الانتخابات الأمريكية بعد أيام،‮ ‬و”إيباك‮” ‬لديه مفتاح الديمقراطيين،‮ ‬وهيلاري‮ ‬كلينتون أهمّ‮ ‬من مفتاح العودة المعلق على صدر مصطفى البرغوثي‮.‬

‭ ‬

أوربا ستبقى عجوزاً

خلال لقاء المفوضة الأوروبية موغريني‮ ‬مع عباس،‮ ‬كان واضحاً‮ ‬أن السيدة تتكلم بقوة التمويل الأول والأهم للسلطة،‮ ‬وهي‮ ‬تحمِّل عباس ونتنياهو المسؤولية بنفس الدرجة،‮ ‬وتدعو بتعال إلى استقبال الرباعية التي‮ ‬رفض نتنياهو حضورها وليس عباس،‮ ‬فأوروبا وفق المبادرة الفرنسية الخاضعة للتعديل تريد الحفاظ على الواقع،‮ ‬وتأجيل القضايا المعقدة في‮ ‬جدول زمني‮ ‬للمفاوضات وليس لرحيل الاحتلال،‮ ‬ومع دخول الشتاء تبقى مسألة الغاز الروسي‮ ‬أهمّ‮ ‬من قضايا الشرق الأوسط القديمة،‮ ‬فالقارة العجوز تخشى من جحافل المشردين واللاجئين أكثر من اطلاق النار في‮ ‬رام الله‮.‬

‭ ‬

اعتذار

هذا هو المشهد السياسي،‮ ‬أوراق فلسطينية ضعيفة،‮ ‬وقيادة تقليدية،‮ ‬وفصائل لا‮ ‬يخرج في‮ ‬مسيراتها إلا العشرات،‮ ‬وشعب أعزل‮ ‬يريد البقاء والكرامة فقط ويعلم أن الحرية طريقٌ‮ ‬طويل،‮ ‬وحسابات تزداد تعقيدا،‮ ‬واحتلال شديد القسوة،‮ ‬وعرب‮ ‬غرقى في‮ ‬ربيع الفوضى‮.‬

أن تستمر الانتفاضة بما تبقى من صبر،‮ ‬أمرٌ‮ ‬يحتاج أشياء كثيرة،‮ ‬أولها وحدة حقيقية،‮ ‬وسير بين الأشواك،‮ ‬وذكاء وحكمة أكثر من القفزات والتصريحات،‮ ‬لأن مقاومة البقاء حالياً‮ ‬أفضل من مقاومة الهدم وترحيل السكان‮.‬

الهبّة الحالية تؤكد أن لدينا شعبا حيا،‮ ‬وقيادة هرمة،‮ ‬وبرامج مشوّشة وقاصرة،‮ ‬وحسابات ضيقة،‮ ‬وخطوات الشهداء من محمد جموج وفؤاد حجازي‮ ‬وعطا الزير حتى مهند الحلبي‮… ‬لن تغير مضمون رسالة عبد القادر الحسيني‮ ‬وهو‮ ‬يصرخ في‮ ‬صحراء العرب‮: “‬أغيثوا جنودي‮ ‬في‮ ‬القسطل‮”.‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • تواتی عادل

    شكراً أستاذ على هذه القراءات. ...