الوطنية تبرر الخطأ
قال وزير المالية السيد، كريم جودي، إن الاستثمارات الأجنبية لم تتأثر بالترتيبات التي جاءت في قانون المالية لمكمل لسنة 2009.
-
وعكس ما تشير إليه الإحصاءات وما تؤكده المؤسسات المختصة، ادعى وزير المالية أن الأموال ما زالت تتدفق على الجزائر، مما يؤكد في نظره أن القواعد الجديدة للاستثمار الأجنبي ستنفع البلاد رغم المضايقات التي تتضمنها بالنسبة للمستثمرين .
-
وأمام هذه التصريحات الغريبة، لا يمكن إلا أن نتساءل: كيف يمكن لوزير عاقل في بلد عاقل أن يقول مثل هذا الكلام الذي بنافض الواقع صراحة؟ ما الذي يجبر وزيرا يتميز بتكوين مقبول في الاقتصاد أن يصرح أن الاستثمارات الأجنبية لم تتأثر بالإجراءات التي تفرض على المتعامل الأجنبي أن يتفق مع شريك جزائري في كل عملية استثمار؟ لماذا يضرب الوزير مصداقيته بيده، ويجعل نفسه محل سخرية من طرف المتعاملين والأجانب بصفة عامة؟
-
واعترف الوزير في نفس الحصة التي تبثها الإذاعة الوطنية أن عدد مشاريع الاستثمار الأجنبي تراجع من 102 إلى أربعة مشاريع… واعتبر ضمنيا أن عدد المشاريع ليس مهما، بل أن المهم هو تدفق الأموال. ولكن كيف يمكن أن يتكلم عن الاستثمار الأجنبي لما يقترب عدد المشاريع من الصفر؟
-
هذا الخطاب يوحي أن الوزير يعتبر نفسه في خندق، ولا يمكنه إلا أن يدافع عن مواقف وقرارات لعله لم يشارك في اتخاذها… ويزيد الوزير تمسكا بهذه القرارات لأنه يخشى أن يعرف العام والخاص أنها ليست قراراته… ولا يريد الرجل أن يعترف أنه ليس صاحب قرار، بل يريد أن يبرهن أنه صاحب الأمر والنهي، وأنه سيبقى ثابتا في المكان إلى آخر دولار من النقط الجزائري …
-
ولا يكتفي الوزير بتصريح واحد مخالف للواقع. إنه يصر، ولا يتردد عن القول إن الجزائر تعرف مستوى نمو عال منذ سنوات… ما هذا المستوى العالي في النمو؟ إنه يبلغ بصعوبة كبيرة خمسة بالمئة، إن كانت الأرقام التي تنشرها الإدارة الجزائرية صادقة… لكن في بلد تتوفر فيه الأموال، واليد العاملة، إضافة إلى وجود سوق كبيرة جدا، من المفروض ألا تنزل نسبة النمو تحت العشرة بالمئة، لأن كل الظروف متوفرة لذلك …
-
ويقضي الوزير على ما تبقى له من مصداقية لما يقول إن الجزائر استطاعت أن تتوصل إلى درجة عالية من الاستقرار القانوني، مما يسمح للشركات الأجنبية أن تعرف ما ينتظرها على الأمد الطويل. وإذا كان المتعاملون الأجانب يشتكون من العوائق لتي تمنعهم من الاستثمار في الجزائر، فإنهم يشتكون من نقطتين أساسيتين، تتمثل الأولى في إجبارهم على البحث عن شريك جزائري، وتتمثل الثانية في التغيير المفاجئ وغير المنطقي للقوانين المتعلقة بالاستثمار الأجنبي. ونذكر في هذا السياق أن شركات أجنبية بدأت تدخل السوق الجزائرية، لكن بعد أن بدأت تحقق أرباحا، قررت الحكومة الجزائرية إما أن تفرض عليها شريكا جديدا، إما أن تمنعها من ممارسة جزء من نشاطها مثلما حدث مع البنوك التي تم منعها من القروض الموجهة للاستهلاك .
-
وإذا سألنا الوزير عن سر هذه القرارات والتصريحات العشوائية، فإنه سيؤكد دون شك أنها تنبع من مبدأ الوطنية الاقتصادية التي اكتشفتها الجزائر قبل سنتين. وأصبحت الوطنية حجة كافية لرفض التفتح على العالم، ووسيلة لتغطية العجز على مواكبة العصر. وأصبح من يدعي الوطنية يجد نفسه غير مرغم على شرح مواقفه وتبرير قراراته، مما يفتح له المجال لقول كل مليحة أو قبيحة، شريطة أن يبدأ بالإعلان عن وطنيته، وكأن الوطنية تلغي العقل والفكر والمنطق. ولعل ذلك ما يشرح أقوال وزير المالية، أقوال كانت في قمة الوطنية حسب السيد الوزير…
-