الوطـنـيـة، بوصفها تعبيرا عن ارتباط عاطفي عميق بــالأمــة، وتمسك فلسفي وسياسي بحرية قرارها، والوفاء لقيمها الحضارية، ومقومات وحدة هويتها وسلامة كيانها… لم تـظهر في اللغات الأوربـية، (ناسيونالزم)، على سبيل الاستعارة الحرفية من اللغة الفرنسية، إلا في أعقاب الثورة الفرنسية عام 1798. فقد عبرت يومئذ عـن مفهوم “دولــة الأمــة”، في مقابل “دولــة الـمـلـك”. لأن الكلمة مركبة من كلمة “ناسيون” التي معناها “الأمة”. بَيْد أن الوطنية لم تتبلور كمذهب سياسي إلا في أواخر القرن التاسع عشر. والبعـض مـن المؤرخين يجعلون بداياتها في نحو عام 1870، أي السنة التي وقعت فيها الحرب بين ألمانيا وفرنسا، وانتهت بانتصار الأولى، وخضوع الثانية لكل شروطها العسكرية، والمالية، والترابية… ولكن مفاهيم الوطنية السياسية إنما تبلورت، وبلغت أوجها فيما بين الحربين العالميتين، وفيما بعـد ذلك بشكل خاص، حين أذكـَتْ نارَها حركاتُ التحرر الوطني في صراعها المستمـيت من أجـل افتكاك الأوطان المحتلة من مخالب الإمبراطوريات الاستعمارية.
ومما يـَستوقف الباحث اللغوي أن “الـوطـنـيـة” قـد جاء اشتقاقها، في اللغة العربية، من “الــوطــن”، وليس من “الأمـــة “، (Nation) كما هو شأنها في اللسان الفرنسي، “نـاسْيـونَاِلـزْمْ”، (Nationalisme)، وفي أكثر اللغات الأوربية التي أخذتها مـنـه. أمـا اللـفـظـة التي تـقابل، بكل دقـة، عندهم لفظة “الوطـنية” عـنـدنا فهي “باتـِْريُـوِتـزْمْ” (Patriotisme)، لأنها مشتقة من كلمة (Patrie) التي معناها “وطــن”. والظاهـر أن العرب ظلوا حقبة طويلة من الزمن مخـتـلفـيـن في تعـريب هذا المصطلح. فـقـد بـدأوا يصفـون الوطني بـأنـه “أهْــلِـيّ”. وأنا ما زلت أذكر كيف كان الأدباء المشارقة، ولا سيما الذين درسوا منهم في فرنسا، ومِـن أوائلهم المصريون من أمثال طه حسين، وزكي مبارك، وغيرهما… يتحدثون في كتبهم عـن “المكتبة الأهلية بباريس”، وهم يقصدون ما كان يسمى وقتئذ “المكتبة الوطنية”، وقد صار اسمها منذ عام 1994 “مكتبة فرنسا الوطنية “. وفي مصر عـدد من المؤسسات الوطنية ذات النشأة القديمة ما زالت، إلى الآن، تحمل صفة “الأهـلـي”، كالنادي الـكـروي ” الأهـلـي ” الشهير في مـصـر؛ وكان في الأصل ناديا رياضيا أنشئ عام 1907 / 1908 لطلبة المدارس العليا في القاهرة، ظاهرُه للتسلي والترويح على النفس، بممارسة النشاطات الرياضية، وجوهرُ حقيقتِه لتجميعهم، في أوقات راحتهم، لتعبئتهم من منظور مقاومة الاحتلال الانكليزي، وربط الجسور بينهم وبين الحزب الوطني الذي كان يرأسه آنئـذ الزعيم مصطفى كامل. وما زال مقر النادي الرياضي بالزمالك في القاهرة، مثله مثل الفريق الكروي الذي خرج من رَحِمِه، يوصف كل منهما بالأهلــي… وفي السعودية تسمى مؤسسة مصرفية معروفة ” الـبـنـك التجاري الأهــلـي “…
ولم يتوقـف التذبذب في ترجمة هذا المصطلح العالمي إلى اليوم. فحين عزف العرب، في بعض أقطار المشرق، عن كلمة “الأهلـي”، أخذوا يستعملون كلمة “القومي” بدلها، فازداد الأمر التـَبَاساً إذ تسبب ذلك في تداخل مدلول هذه اللفظة مع مدلول أخر بدأ ينتشر استعماله في حقل دلالي مجاور. فبينما أخذ يعني عند البعض ما هو خاص ببلد عربي واحد، صار يعني عند البعض الآخر ما يشمل معناه كل العرب، أوكل البلدان العربية. مِـنْ ذلك مثلا إطلاق صفة “القومي”على مؤسسات تسمى في أقطار عربية أخرى “وطنية”. فـحَـتي في تـونس نجد لهم مثلا وزارة التربية القومية، وهي نظير ما يسمى عندنا، وزارة التربية الوطنية. (وقد كتبتُ في صفحات هذه الجريدة، ذات مرة، أن الصفتين كِلـْتـَيْهما غيرُ لازمتين، فما هما إلا ثمرة تقليد أعمى لما يطلق في فرنسا من تسميات وأوصاف). وقد سُميت وزارة التربية عندنا، في بدايات الاستقلال، وبعـد أن ضُمّت إليها وزارة الإعلام، وكل المصالح والمؤسسات الإعلامية والثقافية ” وزارة الإرشاد القومي”. وتـُرجمت بعبارة “Ministère de l’Orientation Nationale”. وكانت هذه التسمية تقليدا باهـتا لنظيرتها في مصر، لم يدم طويلا… وكان على رأس هذه الوزارة المرحوم الأخ الشـريف بلقـاسم. وما زال الفريق الكروي المصري الذي يمثل مصر في المقابلات الدولية يسمى، إلى اليوم، “الفريق القومي”، أي بمعنى الوطني تماما. وأذكر أنه إثر مقابلة صاخبة في القاهرة، سنة 93 أو 94 بين الفريقين الجزائري والمصري، (وكل مقابلاتهما صاخبة!) كتب المرحوم، أنيس منصور في عموده بجريدة الأهرام مستهجنا تمادي القائمين على الكرة المصرية في تسمية فريقهم بالقومي، ودعا إلى تسميته بالوطني كما فعلت الجزائر… وكان السبب الوحيد هو اعتقاده أن تلك التسمية تحمل شبهة الانتماء القوميّ العربي، وتـُذكـِّر بقومية عبد الناصر. وكان معروفا عنه أنه، وهو الأنيس، لا يأنس لا إلى هذا ولا إلى تلك… ومن أجل تلافي هذا اللبس، ومنع حالات التداخل بين القومي والوطني، آثـرَتْ بعض الأقطار العربية أن تستعمل صفة “الـقـطـري” في مكان “الوطني”.
ولعلنا لا نستكمل موجبات هذه الإطلالة على مُصْْْْـطلحَيْ القومية والوطنية هـذين دون إلمامةٍ سريعة بأصل اشتقاقهما في اللغة الفرنسية التي انتشرا منها إلى جُـلّ اللغات الأوربية، وحتى غير الأوربية. وسنكتشف أنهما صِـيغـَا من جـذر بسيط، عاديّ للغاية. وهذا ما يشهد بصدق ذلك المثل السائر في أوساط اللغويين العرب، والمَجْمَعِـيّين منهم بوجه خاص، وهو قولهم “لا مُـشَاحَّـة في الاصطلاح”، أي لا مُخاصَمة ولا مجادلة؛ فكل كلمة سليمة المبنى تشتهر، وتروج بمدلول خاص، تصبح مصطلحا مقبولا. فالوطنية التي قلنا إنها ” ناسيوناليزم” (Nationalisme) منحدرة من الكلمة اللاتينية (Natio) التي تعني “الولادة” (Naissance)؛ ومن أحد مشـتـقـاتها وهو (Natus) الذي يعني ” الـمَـوْلـُودْ”. ومعلوم أن كلمة (Nation) التي معناها “الأمـة” مشتقة أيضا من هذا الجذر نفسه. والقرابة بين الكلمتين شديدة الوضوح في اللغتين، الفرنسية واللاتينية. فكأنّ المصطلح في النهاية لا يزيد على كونه يشير إلى الجماعة التي يولد فيها الإنسان، أي الأهل. ولعل في هذا ما يفسر، أيضا، ترجمة المصريـيـن للمصطلح بـالأهـلـي! أما مصطلح “باتـِْريُـوِتـزْمْ” (Patriotisme) الذي هو مشتق في الفرنسية، كما أسلفنا، من كلمة (Patrie)، فأصلهما في اللاتينية التي أخِذا منها لا يقل غرابة! فهما ينحدران كلاهما من كلمة (Pater) الـتي معناهـا… “الأب”. نـعـم الأب! فالأبـوة هـي مَوْطـن “الأهل”، وبالتالي هي الوطن… فهل يفتح مثلُ هذا الاشتقاق اللاتيني مجالا للبحث في اللغة العربية، وربما في اللغات السامية، يؤدي إلى كشف ذي قيمة يربط علاقة اشتقاقية ما، بين “الأم” و”الأمـة”؟ فتكون الأمة العربية من الأم، واللاتينية من الأب! وللأديب اللبناني جبران خليل جبران رسم بريشته عنوانه “وجه أمّي وجه أمتي”.
هذا ما يطرحه مصطلح الوطنية من إشكالات مُـعجمية، وفروق لغوية، ودلالات جوارية. فماذا بقي من نفيس جوهره، وسامي محتواه في واقع حياتنا العملية؟ لقد كانت الوطنية الجزائرية صِـنـْوًا لإرادة الحياة لدى الجزائريين. وكانت رديفا لأشواق التحرر والانعتاق لديهم. وكانت في حقب محنتهم التاريخية عنوانَ جديتهم، ورمز تساميهم وتعاليهم عن الدنايا، حتى لقد كان البعض منهم يشعر بأن أية سقطة منه، في ظروف معينة، كأنها سقوط للجزائريين كلهم. وكان التضامن الاجتماعي، في السراء وحين البأس، أحد الميادين المفضلة لتجلي تلك الروح في أسمى معارجها.. وقد عملت الأسرة، على ما كانت تشكوه من فاقة وأمّية وضعف؛ كما عملت البيئة السياسية بكل العناصر المشكلة لها، بالإضافة إلى ما أبقى عليه، أو سمح به الاحتلال من مظاهر التراث الثـقافي، وتجلياته الشعبية، في مواسمه الدينية، ومناسباته الفلكلورية التقليدية… قد عملت كلها على تجذير ذلك الإحساس الوطني، وتعميق مشاعر الانتماء إلى هوية جماعية في إطاره، وضرورة الإخلاص لقيمها الروحية والثقافية… كانت الروح الوطنية تنتظم كل مناحي الحياة العملية، ومجالات النشاط الفردي والجماعي قاطبة.
واليوم ماذا بقي من تلك الروح التي أنقذت أمة كاملة من الفناء المبرمج لها، والتي يرجع الفضل الأكبر فيها إلى إرادة قــُدـّتْ من صخور الجبال، وإلى القيم الروحية والمقومات الثقافية الأصيلة التي كانت للأمة خير ما عندها من العدة والعتاد.
كان المجـتمع الجزائري، بأحـزابه وجمعـيـاتـه الكـثـيرة ومؤسساته التـقـلـيـديـة، الدينية منها والثقافية، وصُحُـفه العديدة… يكمّل عمل الأفراد، ويعوض الفراغ الحاصل بانعدام الدولة التي تضطلع بالجانب الرسمي المؤسس من الوطنية الجزائرية. وقد قام المجتمع وتنظيماته بهذا الدور خير قيام.
ثم جاء الاستقلال. وبدا للمجتمع كأنه يومئذ، وقد قامت دولته الوطنية، صار من حقه أن يتخفف من بعض أعباء ذلك الدور. والحق أن القائمين على الدولة قد شجعوا على استرخاء الشعور الوطني، وتسرب الوهن إليه من طريقين، أحدهما بتصعـيد الخطاب الشعبوي، الأبوي، الذي أعطى الانطباع بأن “الدولة” هي مانحة النعم الربانية، فهي المتكـفلة بكل شيء! والثاني بتحجيم كل مبادرة في مجالات النشاط الاجتماعي والسياسي التي كان للمجتمع فيها، أيام الاحتلال، دورٌ مشهود؛ وذلك خشية منازعته الحكام في سلطانهم السياسي، والتطلع إلى المشاركة في تسيير شؤون البلاد. ومع ذلك لا يستطيع أحد أن ينكر أن الروح الوطنية المتوثبة، والغيرة على القيم الفكرية والحضارية التي ترمز لها، والحرص الشديد على صيانة المصالح المعنوية والمادية للأمة قد كانت هي الطابع المميز لفترات الاستقلال الأولى التي يمكن تحديد مَداها بنحو خمسَ عشرة إلى عشرين سنة. ثم بدأ دور الدولة يضعـف شيئا فشيئا حتى كاد اليوم يزول كل أثر له. وجاءت عشرية الإرهاب، والعنف المسلح، فتآكل ما بقي من تلك الروح التي كان عنوانها سيادة الوطن وكرامة المواطن.
وقد بلغ ما أصاب تلك الروح من التقهقر والتدهور أن استكانت الجزائر الرسمية لتصرفات عجيبة، شاذة، غريبة عن الأعراف الدبلوماسية، وتقاليد الرزانة والاحترام في العلاقات الدولية. فهذا متغطرس ذو وجه صفيق يتهجم على وزير جزائري، ترمز وزارته إلى مائة واثنتين سنة من جهاد الأمة، وتضحياتها بالملايين…وذاك وزير آخر يتفنن في المكابرة والتيه على الجزائريين مُمْعِـنا في تشديده على أنه ليس لبلاده ما تعتذر عنه! وثالث يخبر الجزائريين بالأحوال الصحية لرئيسهم. وفي بلاد هؤلاء تـُخَـلد ذكرى مجرمي ما يسمى ” منظمة الجيش السري”، وتقام لهم التماثيل. كل هذا وكل ما في البلاد بضاعة أسواقهم، وإنتاج مصانعهم، وتسيير شركاتهم، وهم يشرفون على “تكوين” كل أعواننا وإطاراتنا، من حراس سجوننا إلى ضباط أمننا وقضاة محاكمنا وأساتذة مدارسنا وجامعاتنا..أما مواقفهم السياسية واستثماراتهم الاستراتيجية فلها وجهة أخرى يعرفها الجميع، والدولة عندنا، أو ما بقي منها، غفور رحيم! والجزائريون في معظم البلدان، وحتى عند أشقائنا الأقربين، لا قيمة لهم ولا وزن، يُشتمون ويسجنون ويرحّـلون ترحيل المجرمين الآثمين حتى حين تحمل جوازاتهم التأشيرات الرسمية من سفاراتهم المعتمدة عندنا.. أما موت شباب الجزائر في أعالي البحار.. أما احتجاز أبرز مسؤولي البلاد، في فترات حاسمة من تاريخها، وإخضاعهم لمساءلة مهينة، فقد كان ذلك كله بمنزلة رصاصة الرحمة تـُطلق، بكل وقاحة، وتـَشفّ، على دولة كانت شامخة ثم هوى بها تسيير “البوجادية” لها .