الوفاء لرسالة نوفمبر في زمن التحوّلات
في الفاتح من نوفمبر، لا نحتفل بالذاكرة فحسب، بل نجدد العهد مع الرسالة، رسالةٌ سطّرها الأجداد بمداد الدم والكرامة، حين فجّروا ثورة التحرير الكبرى، فحرروا الأرض وأطلقوا ميلاد الأمة من رماد الاحتلال.
ليس نوفمبر مجرّد تاريخ في رزنامة الزمن، بل هو روحٌ تسري في جسد الوطن، تمدّه بالعزم والثبات كلّما اشتدت عليه العواصف وادلهمت به الخطوب.
هي الذاكرة التي تحفظ للجزائر هويتها، ولأبنائها المعنى والاتجاه.
لقد تغيّرت التحديات، لكن الرسالة لم تتغيّر: بناء دولةٍ سيدةٍ عادلةٍ، متصالحةٍ مع تاريخها، ومنفتحةٍ على مستقبلها.
فمن رحم البيان الخالد، ومن وهج التضحيات، وُلدت دولة الاستقلال، لتبدأ الجزائر عهدها الجديد في تشييد مؤسساتها وصياغة هويتها الوطنية على أنقاض استعمارٍ دام قرنًا وثلث قرن.
لم يكن الاستقلال نهاية المسار، بل بدايته؛ إذ انتقل الجزائريون من معركة التحرير إلى معركة التأسيس والبناء، فكان الوفاء لرسالة نوفمبر حاضرًا في كل خطوةٍ من خطوات الدولة الفتية.
فمن استرجاع السيادة الوطنية على مقدرات البلاد، إلى بناء مؤسسات الجمهورية، ومن تعميم التعليم وتعريب الإدارة، إلى استعادة القرار الاقتصادي، سارت الجزائر على دربٍ شاقٍّ لكنه وطنيٌّ خالص، تحكمه عقيدة واحدة: أن الحفاظ على الاستقلال لا يقلّ صعوبةً عن نيله.
وفي العقود اللاحقة، واجهت البلاد محناً جسامًا؛ ففي العشرية السوداء، حين تزعزعت السكينة الوطنية، استعادت الجزائر تماسكها بنفس الروح النوفمبرية، إذ وقف جيشها وشعبها معًا دفاعًا عن الدولة والجمهورية، ليُثبت الجزائريون مرّةً أخرى أن روح نوفمبر لا تموت، وأن الوطن أكبر من الجراح.
ثم انطلقت مرحلة الوئام والمصالحة الوطنية، فاستعادت الجزائر أمنها واستقرارها، وعادت إلى محيطها الإقليمي والدولي بثقةٍ ومسؤولية، حاملةً في وجدانها قناعة راسخة بأن السلام ثمرة الشهداء مثلما كان الاستقلال ثمرة دمائهم.
وفي زمن التحوّلات الكبرى التي شهدها العالم مطلع الألفية، ظلت الجزائر وفيةً لنهجها النوفمبري، متشبثة بسيادتها وقرارها الوطني المستقل، ومتمسكة بخيار الدولة الاجتماعية العادلة رغم كل التحديات الاقتصادية والظروف الإقليمية المضطربة.
ومن رحم الحراك الشعبي المبارك، الذي عبّر فيه الجزائريون عن إرادتهم في الإصلاح والتجديد، انبثقت مرحلةٌ جديدة من الوعي الوطني، حملت في جوهرها صدى نداء نوفمبر الأول: وحدة الشعب، وسيادة القرار، وعدالة الدولة.
وفي خضمّ ذلك المخاض التاريخي، اختار الشعبُ رئيسه عبد المجيد تبون، ليقود مشروع الجزائر الجديدة – مشروع نابع من الإرادة الشعبية، مؤسَّس على مبادئ نوفمبر في بناء دولةٍ عصريةٍ، عادلةٍ، قوية المؤسسات.
ومع تجديد الثقة فيه، أطلق رؤيته «الجزائر المنتصرة»، تأكيدًا على أن التغيير لم يكن ظرفيًا، بل مسارًا استراتيجيًا نحو جزائر متصالحة مع تاريخها، مفتوحة على آفاق تنميتها، متمسكة بسيادتها وكرامة شعبها.
الجيش الوطني الشعبي.. حارس العهد النوفمبري:
منذ أن تحوّل جيش التحرير الوطني إلى الجيش الوطني الشعبي، ظلّ وفيًا لرسالته الأولى: حماية الجزائر وصون سيادتها والوفاء لعهد شهدائها.
لم يكن مجرّد جيشٍ بالمعنى التنظيمي، بل امتدادًا حيًا لروح نوفمبر، ورسالةً تتوارثها الأجيال في ميدان الشرف كما في معترك البناء.
من معارك التحرير إلى معارك التأسيس، ومن حماية الحدود إلى حماية الثوابت، رافق الجيش الوطني الشعبي مسيرة الجزائر في كلّ مراحلها؛ حاميًا لسيادتها، ورافعًا لرايتها، ومؤمنًا بأن استقلال الوطن لا يُصان إلا بالفعل الدائم لا بالشعارات.
في العشرية السوداء، حين تاهت الرؤى وارتبكت البلاد، كان الجيش درع الوطن وصمّام استمراريته، دافع عن الدولة والشعب معًا، وأعاد للأمة طمأنينتها ووحدتها.
ومع الحراك الشعبي الأصيل، اصطف الجيش الوطني الشعبي إلى جانب الشعب، حاميًا له من الانزلاق والفوضى، ومرافقًا لمسار التحوّل الوطني نحو جزائر جديدةٍ تُبنى على الثقة والشرعية.
فجسّد بوفائه وانضباطه الاستمرارية النوفمبريّة في حماية الدولة وصون سيادتها، وساهم في دعم مشروع الجزائر الجديدة الذي يقوده رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، رفيقًا للمؤسسات لا وصيًّا عليها، وجدارًا للوطن لا سورًا حوله.
واليوم، مع إشراقة رؤية الجزائر المنتصرة، يواصل الجيش رسالته التاريخية ذاتها: جيشٌ في خدمة الوطن، وشعبٌ متحد ملتف حول جيشه، على نهج نوفمبر الخالد.
البرلمان.. ضمير الشعب وروح نوفمبر:
من رحم الوعي النوفمبري المتجدد، ومن صفاء الإرادة الشعبية التي عبّر عنها الحراك الأصيل في سلميته ونُبله، وُلد البرلمان الجزائري الجديد؛ برلمانٌ خرج من صميم الشعب، نقيّ المنبع، متحرّر من شوائب المال الفاسد وسطوة تجار الذمم، ليكون صوتًا وطنيًا نزيهًا يعيد إلى الفعل السياسي معناه النبيل، ويمنح التمثيل الشعبي شرعيته الأخلاقية قبل القانونية.
لقد استلهم هذا البرلمان روحه من بيان نوفمبر، فكان تجسيدًا لضمير الأمة، لا مجرد مؤسسةٍ في معمار الدولة، يمارس مهامه التشريعية والرقابية بوعيٍ بأن التشريع فعلُ بناءٍ مستمرّ، والرقابة ضمانٌ للوفاء بالعهد الذي بين الدولة ومواطنيها.
ومن خلال أداء رسالته الدستورية، تحوّل إلى أحد أعمدة الجزائر الجديدة، وعضُدها المؤسسي في تكريس دولة الحق والعدالة، مستندًا إلى مبادئ نوفمبر في الحرية والسيادة والكرامة الوطنية.
وفي كنف رؤية رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، ومشروعه الوطني الطموح، كان البرلمان شريكًا فاعلًا في مسار الجزائر المنتصرة، مؤازرًا لجهود الإصلاح، مشاركًا في صياغة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، ومواكبًا لمسيرة تجديد الدولة بمؤسساتٍ أقوى وممارساتٍ أنزه.
وفي المحافل الإقليمية والدولية، ظلّ البرلمان صدًى ناطقًا لثوابت الدبلوماسية الجزائرية، مدافعًا عن القضايا العادلة، في طليعتها القضية الفلسطينية، وحق الشعوب المستعمرة في تقرير مصيرها، ومتشبثًا بمبادئ الحق والسيادة وعدم التدخل، مؤكدًا أن صوت الجزائر لم ولن يُشترى، لأنه صوتٌ مؤسّس على رسالةٍ خالدةٍ بدأت في أول نوفمبر.
صوت الحكمة وذاكرة الجيل المؤسس:
وفي هذا المسار المشرّف، لا يمكن الحديث عن الوفاء النوفمبري في المؤسسة البرلمانية دون التوقف عند رمزٍ من رموزها الكبرى: المجاهد صالح قوجيل، رئيس مجلس الأمة السابق، الذي مثّل ضمير جيل الثورة في جسد الدولة.
كان صوته في قبة البرلمان أشبه بنداء نوفمبر وقد تجدد صداه؛ مواقفه كانت ذاكرةً حيّة تذكّر بأن الثورة لا تنتهي برفع راية الاستقلال، وأن حماية الدولة هي استمرارٌ للملحمة الأولى بوسائل أخرى.
ولم يكن تكريم رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، له بوسام أثير من مصف الاستحقاق الوطني، حدثًا بروتوكوليًا فحسب، بل كان تقديرًا عميقًا لمسيرة رجلٍ جمع بين الجهاد في سبيل التحرير، والجهاد في سبيل البناء والتشييد، واختتامًا مشرفًا لعهدٍ من العطاء البرلماني النزيه والعقلانية السياسية المتزنة.
لقد منح ذلك التكريم رمزية خاصة للوفاء الوطني، إذ التقت فيه ذاكرة نوفمبر بحاضر الجزائر الجديدة، في لحظةٍ جسدت تواصل الأجيال، وتجدّد العهد على أن تظل رسالة الشهداء بوصلة الدولة وأجيالها القادمة.
الرسالة والجذوة التي لا تنطفئ:
سبعون عامًا بعد الفاتح من نوفمبر، لا تزال الجزائر تكتب فصول رسالتها الخالدة – رسالةً لم تبهت مع السنين، ولم تطوها التحوّلات.
تتجدّد في كل جيل، وتتوهّج في كل تحدٍّ، لأنها رسالة ولدت من دم الشهداء، وتتغذى من عزيمة الأحياء.
وفي زمن التحولات الكبرى، يبقى الوفاء لرسالة نوفمبر هو سرّ الجزائر الذي لا يُستنسخ، ونورها الذي لا يخبو؛به تصون سيادتها، وبه تبني حاضرها، وبه تمضي نحو مستقبلٍ يليق بتضحيات أبطالها.
فما دام في الجزائر من يؤمن أن الوطن فكرةٌ تُحمل في القلب لا رايةٌ تُرفع فحسب، ستبقى رسالة نوفمبر مشتعلةً في الذاكرة والوجدان، الرسالة التي لا تنطفئ.