الوقوف عند أساطير أوباما حول بناء السلم مع المسلمين
هل ينبغي للمسلمين تصديق التصريح الأخير للرئيس الأمريكي باراك أوباما من اندونيسيا حول رغبة الولايات المتحدة في بناء سلام مع المسلمين، أو تصديق الادعاء بأن الولايات المتحدة ليست في حرب مع المسلمين
-
تكذبه الوقائع على الأرض بهذه الحروب الجوالة المتنقلة فوق رمال جغرافية العالم الإسلامي المتحركة، أو الانتباه بدلا عن ذلك إلى حقيقة أن قرار الحروب الأمريكية والغربية لم يكن في يوم ما، لا بيد إدارة أوباما، أو إدارات سابقة، بل هو قرار تحتكره القوى التي تتغرد خارج مؤسسات الحكم بصلاحيات تشخيص مصالح أمريكا والغرب، وترى أن تحقيقها يحتاج إلى هذه الحرب المفتوحة مع العالم الإسلامي، وأنه يكون وقتها من حقنا أن ننتزع من حكوماتنا الاعتراف بحق الشعوب الإسلامية في تشخيص مصالحها ومصالح دولها، ثم الاعداد للدفاع عنها بما تيّسر من طرق وأساليب المقاومة والتحرير!.
- السلم الذي لا تتواصل فيه الحرب بطرق أخرى
-
من أندونيسيا، أكبر دولة مسلمة، قال الرئيس الأمريكي باراك أوباما إن الولايات المتحدة لا تريد شن حرب على المسلمين، وعلى المسلمين في المقابل المشاركة بجدية في الحرب على القاعدة. وفي أثناء ذلك كانت طائرات الدرون تقصف قرى باكستانية بدعوى استهداف القاعدة. وفي أثناء ذلك كانت القوات الأمريكية في أفغانستان وحلفاؤها تجتاح القرى الأفغانية الآمنة، وفي غضون ذلك كانت القوات الأمريكية “المنسجمة” من العراق تقتل بدم بارد وتبيد عائلة بالفلوجة، وقبل وبعد تصريح أوباما كانت الصحافة الأمريكية تكشف عن قرب إرسال وحدات خاصة، وأسراب من طائرات “الدرون” لقصف القرى والقبائل اليمنية التي تحتضن القاعدة والعولقي، وقبل وبعد التصريح كان وزير الدفاع الأمريكي غيتس يردد استعداد الولايات المتحدة للإبقاء على قواتها في العراق بعد انتهاء موعد 2011 المقرر لانسحابها، وحتى قبل أن يصل أوباما إلى اندونيسيا ويصرح بما صرح به، كانت إدارته تبتز علنا الحكومة السودانية وتخيرها بين التسليم بانفصال الجنوب، وخاصة منطقة أبيه النفطية أو البقاء على لائحة الدول المارقة الداعمة للإهاب التي اعتمدت في زمن بوش. وكان موفدوه إلى لبنان يخيرون قواه السياسية بين القبول بما تدبره المحكمة الدولية للمقاومة ولحزب الله، ولعموم أطراف خط المقاومة والممانعة في المشرق العربي، أو تتحمل تبعات اخضاع لبنان لحصار تحت أحكام البند السابع. وقد أمضي في سرد عشرات الأمثلة من أحداث ووقائع الأسبوعين الأخيرين فقط، تكون كافية لتكذيب ادعاءات الرئيس الأمريكي حول رغبة الولايات المتحدة في عدم محاربة المسلمين.
-
-
سلام مع الشعوب قبل السلم مع الدول
-
ربما يكون باراك أوباما قد خدع بعض النخب العربية والإسلامية في بداية عهدته، وتحديدا بعد خطاب القاهرة، لكن سياسته في معظم ساحات الاشتباك بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي جعلت من هذا الادعاء محض كذب، وتسويق للأساطير، لأن الرئيس الأمريكي الذي بدأ في سحب قواته من العراق ليلا، سارع إلى نقلها مباشرة إلى أفغانستان.
-
وجاءت تسريبات موقع ويكليكس لتكشف أن الأساليب المتبعة في عهد جورج بوش للتنكيل بالمسلمين في العراق وأفغانستان، قد تواصلت في عهده، وأنه قد تراجع عن إغلاق معتقل غوانتنامو، وزادت في عهده عمليات القتل العشوائي للمدنيين في أفغانستان وباكستان والعراق، ولم يعد في إدارته لملف التسوية العالق في الشرق الأوسط قادرا على حفظ ماء الوجه لحلفاء أمريكا من الحكومات العربية والقوى السياسية، حتى أنه أخفق في حمل الصهيوني المتغطرس نتنياهو على القبول بتجميد مؤقت للاستيطان، وحصلت إسرائيل في عهده على صفقة المقاتلات الأكثر تطورا في العالم، فضلا عن تزويدها بترسانة جديدة من القنابل الذكية.
-
والحال، هل يصدق الرئيس الأمريكي أن يجد اليوم من بين العرب والمسلمين من يثق بمثل هذه التعهدات التي تكذبها الوقائع على الأرض؟ وكيف كان سيكون حال العرب والمسلمين لو أن الولايات المتحدة كانت في حرب مع العرب والمسلمين، إذا كان ما يتعرضون له اليوم من قتل وتنكيل، وتفكيك للدول، وإثارة للفتن الطائفية والمذهبية، واستنزاف لمواردهم، واعتداءات على مقدساتهم ومعتقداتهم، والدعم اللا محدود لعبث الكيان الصهيوني، إنما يتم في زمن يدعي فيه الرئيس الأمريكي مسالمة المسلمين والرغبة في إقامة شراكة معهم، إن هم قبلوا الشراكة في حرب مفتوحة، وبلا سقف مكاني أو زماني على القاعدة، أي القبول باستباحة جغرافية العالم الإسلامي وسيادة دولة للغارات الأمريكية وللوحدات الخاصة، ولجان التحقيق التي تستبيح كل شيء كما استباحت كل شيء في العراق قبل الغزو، واستباحت كل شيء في لبنان.
-
لا أعتقد أن أحدا من العرب والمسلمين، باستثناء اتباع “المرجعية الأعلى للعمالة”، سوف يصدق ماقاله الرئيس الأمريكي، أو يصدق ماتصر بعض النخب على تسويقه بشأن حصول تغيير في السياسات الأمريكية تجاه العالم الإسلامي، أو حتى حصول تغيير في مواقف أغلبية الشعب الأمريكي الذي مازال، وبعد كل الذي حصل من حكوماته تجاه العالم الإسلامي، ليجدد الولاية لهذه الطغمة من المجرمين وقتلة الأطفال في الحزبين الجمهوري والديموقراطي” بل أضاف إليهم حزب الشاي من غلاة المتعصبين المتصهينين أكثر من صهاينة إسرائيل.
-
-
القاعدة في تطويق “القاعدة”
-
دعونا، وبعقل بارد نخضع هذا الموقف المعلن للرئيس الأمريكي لاختبار يعتمد مقاييس مشتركة، لا يطعن فيها عاقل، ثم نحكم بعد ذلك على النوايا الحقيقية، هل فيها قدر من الصدق، والرغبة في منع دخول الولايات المتحدة في حرب مع العرب والمسلمين، أم هي محض أكاذيب وتسويق للأساطير، وتغطية لحرب حقيقية مفتوحة على العالم الإسلامي.
-
فمن الشروط والمعايير المعتمدة لقيام علاقات غير عدائية بين الدول والشعوب، الاحترام المتبادل لسيادة كل دولة وكل شعب على أراضيه، فهل عند إدارة باراك أوباما استعداد لاحترام سيادة 56 دولة إسلامية، فيحرم على قواته وطأ شبرا واحدا من أراضي المسلمين، أو احتلال أساطيله البحرية لخلجانهم ومياههم الاقليمية، واختراق أجوائهم، ويوقف هذه الحرب المفتوحة بطائرات الدرون؟ وهل الولايات المتحدة على استعداد للاعتراف بحرمة الدم المسلم، مقابل احترام المسلمين للدم الأمريكي، ولا يلتفتون إلى دعوة “العولقي” الأخيرة باستهداف الأمريكيين دون انتظار فتوى شرعية أو سياسية.
-
ومن شروط بناء السلم والامتناع عن التدخل في الشأن الداخلي للدول والشعوب، فهل وطن ّ الرئيس أوباما نفسه على حمل إدارته ومؤسسات الدولة الأمريكية على احترام هذا الوجه من السيادة، فيمتنع قناصلة أمريكا عن العبث كما يفعلون في لبنان، وتتوقف مؤسسات الحكم في أمريكا عن التدخل في الشأن السوداني وذلك التحريض السافر على تمزيق السودان وفصل جنوبه، قبل استكمال التمزيق، بفصل مقاطعة دارفور، وأن توقف الولايات المتحدة تدخلاتها في المسارات السياسية، وذلك التحريض السافر على الطائفية والمذهبية أو تحريض طائفة من القوى السياسية على قوى المقاومة، فيتوقف العرب والمسلمون في المقابل عن دعم ما تدعو إليه اليوم القاعدة، وغدا من هم أكثر راديكالية من القاعدة من قتال “الغرب الكافر” في عقر داره وحيث ما ثقف أبناؤه.
-
-
مشروعية المقاومة مقابل شرعنة الاعتداء
-
ومن الشروط لبناء السلم وجسور الثقة المتعارف عليها، أن تحترم الدول إرادة شعوب الدول الأخرى، وأنه كما لا يحق للعرب والمسلمين التدخل في اختيارات الناخب الأمريكي والغربي، فإنه يحق لهم أن يتوقعوا حالة من التعامل بالمثل. فلا يكفر جانب من الشعب اللبناني الذي صوّت لحزب الله، أو يعاقب الشعب الفلسطيني على تصويته لصالح حركة حماس، أو تحرض الحكومات على منع الإسلاميين من التنافس على الحكم، كما حصل في الجزائر من قبل، ويحصل اليوم بطرق ملتوية في الأردن ومصر، ولا يعاب على الإيرانيين قبولهم بنظام ولاية الفقيه، أو يضغط على شعوب دول الخليج لتستبدل شيوخها وأمراءها وسلاطينها، بقيادات ممسوخة كتلك التي نصبتها الدبابات الأمريكية على أعناق العراقيين والأفغان؟
-
ثم إنه لا يختلف عاقلان على أنه من شروط قيام سلم دائم بين الدول والشعوب أن يمتنع الطرفان عن افتراس ثروات بعضهم البعض، كما تفعل الولايات المتحدة والغرب مع ثروات دولنا وشعوبنا، مستغلة حالة ضعف الدول والشعوب العربية، والمساهمة في إنتاج هذا الكم من الفقر والبؤس، الذي وإن لم يكن الدافع الأساس لظهور ونماء الفكر الراديكالي، فإنه بالتأكيد يكون الدّمنة التي تنشأ فيها خضراء الدمن: ليس العنف والتطرف فحسب، بل هذا الفساد المستشري في أوساط النخب الحاكمة والذي تحرض عليه الولايات المتحدة بشتى الطرق والوسائل.
-
-
الاعتراف بحق الشعوب في تشخيص مصالح الدول.
-
ومع التسليم جدلا أن الولايات المتحدة الأمريكية مع هذه الإدارة، تكون صادقة في ما صرّح به الرئيس أوباما، فإن اشتراط انخراط الدول الإسلامية في حرب أمريكا على القاعدة، وما تصفه بالإرهاب، هو محض هرطقة لسببين؛ الأول: إن العالم الإسلامي ليس هو من أوجد القاعدة، ولا يد له في تدافع شعوبه نحو العمل المسلح. فما كان للمقاومة الفلسطينية أن تظهر للوجود لولا المظلومية التاريخية ضد الشعب الفلسطيني وافتراس الغرب لأرضه عبر زرع الكيان الصهيوني. وما كان لحزب الله أن يظهر لو لم تتساهل المجموعة الدولية مع الاستهتار الصهيوني بسيادة لبنان واستباحة أرضه وأجوائه. وما كان للقاعدة أن تظهر أول ما ظهرت في أفغانستان والعراق لولا استباحة الولايات المتحدة وحلفائها لسيادة هذين البلدين، والعمل منذ تسع سنوات على تدمير الدولتين. الثاني: أن أي شراكة لدول العالم الإسلامي في الحرب على القاعدة، وما يوصفه الغرب بالإرهاب، من شأنها أن تذكي جذوة التطرف، والتحاق شرائح واسعة من الشعوب الإسلامية بما هو أكثر من الراديكالية التي يوصف بها اليوم تنظيم القاعدة، وأن تطويق الظاهرة إنما يكون بتنظيم انسحاب منظم ومدروس لقوى الاستكبار من جغرافية العالم الإسلامي.