الرأي

الولايات المتحدة وإسرائيل: إمبريالية عتيقة

بقلم د. جمال لعبيدي و د. أحمد رضوان شرف الدين
  • 356
  • 0

ألايجب أن نتساءل عما إذا كان ينبغي أن نتحدث من الآن فصاعدا عن إمبريالية أمريكية– إسرائيلية وكفى؟ فالقراءة التقليدية، السائدة حتى الآن، والتي تصور إسرائيل كعميل للولايات المتحدة من أجل التحكم في أهم منطقة جيوسياسية في العالم، أو كوكيل لها مكلف بالأعمال القذرة، تبدو قراءة عفا عنها الزمن.

يعتمد هذا التوجه إلى تجديد قراءة هذا الموضوع إلى مجموعة من الوقائع تُظهر أن إسرائيل تؤدي دورا أهم من الدور الذي نُسب إليها حتى الآن، وأنها باتت تتمتع بنوع من التكافؤ مع الولايات المتحدة على صعيد صنع القرارات السياسية ذات الصلة بعلاقاتهما.

ويؤيد هذه القراءة الجديدة التأثير العميق لإسرائيل في المؤسسات الأميركية، مجلس النواب ومجلس الشيوخ. ويظهر ذلك بشكل خاص من خلال تأكيدات القادة الإسرائيليين وحتى إلى حد ما غطرستهم في علاقاتهم مع المسؤولين الأميركيين المنتخبين، الذين هم على يقين من أنهم سيدفعون ثمناً باهظاً مقابل أدنى خطأ أو محاولات لاستقلال الحكم فيما يتعلق بالمسائل المتعلقة إسرائيل.

يتجلى ذلك بشكل خاص في الاحتياطات الشديدة التي يتخذها الديمقراطيون والجمهوريون في الانتخابات الأمريكية في مواقفهم تجاه إسرائيل. ونجد الظاهرة نفسها أيضاً في فرنسا، إذ اتخذت المنظومة السياسية– الإعلامية السائدة علنا موقفا مؤيدا لرئيس الوزراء الإسرائيلي ضد الرئيس الفرنسي غداة انتقاده إسرائيل بشأن سلوكها في لبنان ومطالبته بوقف تزويدها بالسلاح مع وقف إطلاق النار.

المجمع الإسرائيلي– الأمريكي

من جهة أخرى، بلغ  تغلغل إسرائيل في المنظومة الإعلامية الأمريكية والغربية عامة من العمق حدا أصبح معه عملاء الاستخبارات الإسرائيلية والموساد يتدخلون بصفة مباشرة وعلى مرأى ومسمع من الجميع في الوسائط السمعية– البصرية الغربية الكبرى .هذه الوقائع وغيرها تسمح بالقول بوجود نفوذ مستقل لإسرائيل على مراكز صنع القرار التابعة لأغلب البلدان الغربية.

يجب أن نضيف إلى ذلك أن الوضع في الشرق الأوسط كشف عن تطور تنسيق العمليات العسكرية الإسرائيلية ونشاط الولايات المتحدة في هذه المنطقة إلى أقصى درجة .وعلى المستوى العسكري أيضاً، لم يعد من الممكن الحديث فقط عن الإمبريالية الأمريكية في المنطقة.

نحن في الواقع أمام مجمع إسرائيلي–أمريكي عسكري وإعلامي وسياسي حقيقي .انتقل الطرف الإسرائيلي ضمنه من أداء دور مهم لكنه محدود وخاضع للقوة الأمريكية، كما في السابق، إلى دور الشريك المتساوي عند أخذ القرار السياسي. إنها نوع من السيادة الإسرائيلية الأمريكية المشتركة (condominium) في منطقة الشرق الأوسط. بل حدث أن لاحظنا أكثر من مرة أن إسرائيل هي التي تبادر بالقرار وأن الولايات المتحدة تتبعها طوعا أوكرها. لقد أصبح وزن إسرائيل أكبر من وزن كافة الحلفاء الغربيين للولايات المتحدة بكل وضوح.

الإمبراطورية الأمريكية– الإسرائيلية: قوة بربرية قديمة

سؤال جدير بالطرح: كيف يمكن للولايات المتحدة وإسرائيل أن تكونا متيقنتين من قدرتهما على ربح الحرب في غزة، وفي لبنان وأماكن أخرى، أي إخضاع الشرق الأدنى برمّته؟

هذا النوع من الانتصارات مستحيل اليوم. كان ذلك ممكنا في الماضي، في عصر الإمبراطوريات القديمة، مثل الإمبراطورية الرومانية، وكذلك في عصر الإمبراطوريات الاستعمارية الحديثة لأن السيطرة على السكان المستهدفين كانت تجري في صمت وعزلة. تلك الظروف ساعدت على ظهور العبودية التي شكّلت أساس بناء المجتمعات المسيطرة العتيقة في اليونان وروما. أدى ذلك إلى الإبادة الجماعية للأمريكيين الأصليين، ثم العبودية الجديدة في أمريكا، واستمر مع تطور الإمبراطوريات الاستعمارية، التي بُنيت بسرعة مذهلة وسط مذبحة معمَّمة.

يمكن القول إذن إن حركات المقاومة والانتفاضات هُزمت لأنها كانت معزولة ولأن سيطرة الإمبراطوريات كانت كاسحة، سواء تعلق الأمر بالإمبراطوريات القديمة أو الإمبراطوريات الاستعمارية الحديثة. لكن بحلول عصر إزالة الإمبراطوريات الاستعمارية الحديث، ظهر أنه أصبح لحركات التحرر داعمون وقواعد خلفية في جميع أنحاء العالم، بما فيها الدول المسيطرة حتى الآن. إن الانتصار على شعب يحارب السيطرة الأجنبية لم يعد ممكنا اليوم، إلا أن الولايات المتحدة، والغرب بصفة عامة، لم يستخلص الدروس من حروب فيتنام، والجزائر، والعراق، وأفغانستان… لقد انتصرت النضالات التحررية الواحدة تلو الأخرى بالرغم من ميزان للقوة العسكرية غير المتكافئ لأنها استفادت من التضامن الهائل لجميع الشعوب، سواء كان تضامنا غير مباشر، معنويا وسياسيا، أو تضامنا مباشرا بالأسلحة والعتاد.

من الانتفاضة إلى غزة

لم يعد من الممكن تجاهل نضال شعب مقاوم. في هذا الإطار، يعتبر رد فعل الشعب الفلسطيني في غزة المتمثل في إظهار صور استشهاد أبنائه على الهواء مباشرة إلى العالم سلاحا فذا، لم يسبق له مثيل، سلاح سلمي لكنه يتمتع بفعالية خارقة؛ فقد اكتشفه الشعب الفلسطيني من أجل بقائه بفضل عبقرية مقاومته، وهو الشعب نفسه الذي سبق أن اخترع الانتفاضة، تلك الحرب التي خاضها مسلحا بالحجارة وحدها. من هذه الزاوية، تقف غزة اليوم في مقدمة تدويل النضالات التحررية، ولن تستطيع إسرائيل والولايات المتحدة الانتصار عليها لأنه يستحيل عليهما إخفاء الإبادة الحاصلة فيها، وكلما زاد القتل على أيديهما، زادت إدانة التاريخ لهما. إن محاولات تكرار الإجرام الاستعماري في فلسطين ولبنان وفي غيرهما محكوم عليها بالفشل لا محالة.

هذا الإرث الإبادي، غير الإنساني بالمطلق، الذي تتقاسمه مع الإمبراطوريات الاستعمارية هو واحد من المؤشرات على الطبيعة العتيقة البربرية للقوى السادرة في غيها بفلسطين. نشير في هذا الصدد إلى أن نتنياهو وجَّه كلمة لجيشه، قبل إطلاقه لارتكاب أكبر مجزرة بشرية في عصرنا، جاء فيها “تذكروا ما فعله عماليق  بكم”: هذه الجملة التي تحيل إلى أسطورة توراتية تدل على هذه القوة البربرية العتيقة التي تمثلها إسرائيل. نتنياهو ليس من قبيل الصدفة، فهو وجهُ هذه القوة القديمة، وهو يرمز إليها كزعيم لإسرائيل.

وهناك سبب آخر لحتمية هزيمة هذه القوى البالية وهو استحالة القضاء على شعب متحد ومجمع على الكفاح. لا تستطيع أيُّ قوة تحقيق ذلك، تلك هي الخلاصة التي توصَّل إليها الجنرال صالان، الجنرال الاستعماري بامتياز، في آخر أيامه، بعد أن قام بمحاولتين، في فيتنام ثم في الجزائر، لإفشال ذلك القانون التاريخي الخاص بحركة التحرر المعاصرة.

لقد نجحت جميع المشاريع الاستعمارية في الماضي بسبب الانقسامات بين السكان، سواء كان محركها المصالح القبلية أو المصالح الإقطاعية كما هو الحال حتى الآن في الملكيات العربية حيث تجد الولايات المتحدة وإسرائيل داعمين حتى الآن. يمكن انتقاد الجمهوريات العربية على أكثر من صعيد، لاسيما فيما يخص الديمقراطية والحريات، لكنها لا تقدِّم هذا النوع من الشروخ فيما يتعلق بالشعوربالوحدة العربية.

الاغتيالات التي تستهدف القادة

إن سلسلة الاغتيالات التي استهدفت القادة في بعض البلدان، مثل الجنرال الإيراني قاسم سليماني في عهد الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، وكما واصلت إسرائيل القيام بانتظام باغتيال إسماعيل هنية، زعيم حماس أثناء التفاوض معه، ثم حسن نصر الله أمين عامّ حزب الله ثم خلفه، وكذلك النية المبيتة والمعلنة جهارا باغتيال علي خامنئي مرشد الثورة الإسلامية في إيران وتحت تصفيق وسائل الإعلام الغربية الرئيسية. كل هذه الأفعال والممارسات هي كشفٌ آخر لجوانب معينة من ثقافة الحرب لدى المجمع الإسرائيلي– الأمريكي.

هذه عادات قديمة وغريبة عن القانون الدولي للحرب الحديثة، فهي بمثابة عودة إلى الأساليب القديمة في التعذيب وقتل زعماء الشعوب المتمردة التي مارستها الإمبراطورية الرومانية والتي مارستها الولايات المتحدة أيضاً بحق صدام والقذافي. بل إن البعض في الغرب فكّر في القيام بذلك ضد بوتين (1)، رئيس أكبر قوة نووية، مما يعطينا فكرة عن جنونهم.

أكبر مصدر للقلق

نحن أمام قوى بالية تزداد كل يوم شراسة ودموية وتجرّدا من الإنسانية، فاقدة كل مرجعية وحدود ومثل أعلى باستثناء شهية الثروة، والمتعة التي لا نهاية لها، من دون أي مشروع للحياة الاجتماعية، ولكنها، في الوقت نفسه، تمتلك وسائل هائلة للتدمير، وقادرة على إبادة البشرية، وربما كل أشكال الحياة على الأرض.

تشهد الإبادة في غزة على هذه الوحشية التي لا سقف لها بينما يتشكل حول الحرب في أوكرانيا قوس انفجار عالمي يريد دعاة الحرب إخفاءه عن الرأي العام عندهم.

إن أحدث أشكال التكنولوجيا، كصناعة الروبوتات والذكاء الاصطناعي وما إلى ذلك، موجودة بين أيدي قوى آفلة لكنها لا تزال قوية، وتستنسخ عقليتها من عقلية الخاصة بقوى الغزو والهيمنة الأكثر قِدماً التي عرفها التاريخ، فينشأ من ذلك المستوى العالي من التكنولوجيا ومن هذا المستوى المتدني من الضمير الأخلاقي مزيج متفجِّر: هنا يكمن أكبر مصدر للقلق. إن تحدي عصرنا، تحدي التاريخ الراهن، سواء في العلاقات الاجتماعية أو في العلاقات مع الطبيعة، هو الارتقاء بالوعي الإنساني إلى مستوى التقدم التكنولوجي.

“العلم من دون ضمير ليس إلا خرابا للروح “(2)، هذه الحكمة القديمة لم يسبق أن كانت أصحّ مما هي الآن. فهي معروفة إلى حد الابتذال لكنها تعود إلى الظهور لنكتشف نبوءتها.

_____

https://www.youtube.com/watch?app=desktop&v=bPF2C-Ozflg

(2)  François Rabelais, “Pantagruel”,

مقالات ذات صلة