اليمن “عقدة النجار”..
اليمن السعيد بموقعه، الشقي بواقعه، والواعد بمستقبله.. يقف اليوم على نداء التاريخ وبيده تفاصيل الجغرافيا متكئا على حزمة أوراق تصف حضارات مرت من هنا وتفرقت إلى مغارب العرب ومشارقهم بل واستقر ببعضها المطاف في أندونيسيا وماليزيا حيث لازالت وجوه اليمنيين وأسماؤهم منتشرة في جاكرتا وكوالالمبور بعد أن أصبحوا ملح الأرض في كل جزيرة العرب.. هم التجار الناشطون والفنانون المبدعون والعلماء الحاذقون.. إنه اليمن.. ومن أراد أن يختصر المعرفة أو يركزها فليتذكر دعاء النبي لأهل اليمن بالبركة.. ويتذكر أهل الجزيرة أن اليمن كانت رحلتهم الشتوية ونافذتهم نحو الهند وبحرها وإفريقيا الشرقية والقرن الإفريقي.. ولم تكن كل دهور اليمن سعيدة فلكم فاضت وديانه فانهارت سدوده وخلد القرآن الكريم ذلك في آياته التي يجزى من قرأها حسنات مباركات.. واليمن هو أول من كرس نظام الشورى وتعدد الآراء..
اليمن هذا يواجه اليوم واحدة من مخاضاته العسيرة فلم يعد اليمنيون يولون الحكمة اهتماما بالغا.. فتعددت راياتهم وشعاراتهم وتنازعوا اليمن مذاهب ومناطق وولاءات حتى كاد يتبعثر ولا مغيث.. وبعد سنوات قاسية من المعارضة والتشبث بالحكم بطريقة لم تشبه سواها استقر أمر اليمنيين على اللقاء والحوار الوطني ووضع المصلحة العليا فوق كل اعتبار وبدأ نصيبهم في الحكمة يعود إليهم عندما قرروا إلغاء كل المعاهدات الأمنية السرية والعلنية مع الولايات المتحدة الأمريكية.. إلا أنهم في الخطوة الثالثة يخلطون عملا صالحا بعمل غير صالح في ظل تصاعد النعرات الانقسامية: الحوثيون من جهة ودعاة انفصال الجنوب من جهة والسلفيون من جهة ثالة وآخرون من جهة رابعة.. فكان التقسيم الإداري الذي يخشى أن يتحول إلى تقسيم سياسي.
عند باب المندب كان اليمني يقف بكبرياء يحكم يده على خنجره متزرا بخفيف الثياب مستعدا لكل طارئ يمنع البواخر والسفن الغربية والأمريكية والإسرائيلية العسكرية من دخول البحر الأحمر.. وكان اليمني يدرك أنه بذلك يحمي أمته العربية والإسلامية..
وكان اليمني يدرك وهو يفتح منافذ اليمن لأهل الإقليم للتجارة والثقافة والاستقرار أنه يمسك بزمام القرن الإفريقي ويتصدى من خلاله لأي مؤامرة صهيونية.. ولكن لم يستمر هذ الصمود اليمني عندما خرجت مصر من المواجهة وبعدها تم تدمير العراق.. فأصبحت البوابة بلا بواب.. وانطلقت أجهزة إسرائيل الأمنية تعيث فسادا في القرن الإفريقي وتستولي على جزر في باب المندب وتصبح مسيطرة على الممر المائي الحساس تستولي على السفن كما حصل أخيرا مع السفينة الإيرانية وتوجه عمليات القرصنة.. وليشترك النظام اليمني في خطيئة كبرى عندما يوقع مع الأمريكان على اتفاقيات أمنية يتم بموجبها قصف مدنيين يمنيين بطائرات أمريكية بلا طيار.
اليمن اليوم في واقع صعب، ودوامة الاستحقاقات فيه تقض مضاجع السياسيين.. وكل الاحتمالات مفتوحة وليس من المسموع لو صرخنا بالعرب أن أنقذوا اليمن ونحن نعرف تماما أي دور لبعض دول الإقليم في المؤامرة عليه.. ولكن رهاننا على اليمنيين أن لا تفجعونا بنصف رحلتنا الذي طالما وفر لنا القوت والأمن والحكمة.. فيا حكمة اليمنيين خذينا إلى بر الأمان.. تولانا الله برحمته.