اليوم.. أصبح العملاء ملوكا!
أَن يدّعي أبناء وأحفاد الباشغوات والعملاء* مِمَّن مَكّنوا للفرنسيين احتلال بلادنا وإذلال الشعب الجزائري واحتقاره وتعذيبه، بأنهم أبناء ملوك، أصحاب دم نقي متميز، وحَملة رسالة حضارية أتى بها أسيادُهم لِمن هم دون مستوى الحضارة من آبائنا وأمهاتنا وإخواننا، وأن تُفتَح لهم الأبواب والقنوات التلفزيونية الوطنية وتُباركهم شخصياتٌ وصلت إلى أكبر المناصب في الدولة وتجلس إلى جانبهم لأخذ الصور التذكارية تزكية لما فعلوا.. وأن يجرؤوا على كتابة ما كتبوا وقول ما قالوا.. لم يبق لنا نحن أبناء وأحفاد المقاومين والمدافعين عن أرضهم وشرفهم وعرضهم والصامدين إلى آخر قطرة من دمائهم والمجاهدين في سبيل الله والوطن والشهداء، سوى أن نُخوِّن أجدادنا وآباءنا ونُعلن أسفنا واعتذارنا لأبناء فرنسا الجدد، ونعترف بأننا من سلالةٍ غير نقية أخطأت الاختيار منذ نحو قرنين من الزمن، طيلة المقاومة المنظمة والشعبية…
لم يبق لنا سوى أن نلوم ورثة هؤلاء المجاهدين الأوائل في القرن التاسع عشر على أنهم فجَّروا ثورة نوفمبر وأرغموا الجيش الفرنسي على الاعتراف لهم باستعادة السيادة على بلدهم في القرن العشرين.. لم يبق لنا سوى أن نطلب من كل جزائري انتمى إلى هذه الفئة من المقاومين أو المجاهدين أو الثوار سوى أن يُطأطئ الرأس ويَنحني لأبناء وحفدة مَن نَصَّبوا أجدادهم العملاء ملوكا على هذا الشعب.. لم يبق لنا سوى أن نتوب تاريخيا على مَن أخطأنا في حقهم حتى لا يتم جرنا مرة أخرى كما فعلوا بأجدادنا وآبائنا إلى السجون والمعتقلات، وأن نوصف باللصوص وقطاع الطرق والخارجين عن القانون والفلاّقة والمتمردين… الخ.|
لم يبق لنا إلا هذا، أن نعترف أن الحال اليوم قد تبدل، وأننا في زمن انقلبت فيه القيم والموازين، لا عجب في ذلك، وأننا كُنَّا بَدوا رحلا أو فلاحين فقراء نسكن الجبال والفيافي وما نزال لا علاقة لنا بالمدينة والمدنية والتحضر، وأن الذين جاؤوا للقيام بدورهم الحضاري منعهم أجدادُنا وآباؤنا من أن يُكمِلوا الرسالة، وعلينا ألا نُكرر اليوم ذات الخطأ… ألا نرفض الانتماء إلى الأمة الفرنسية المتحضرة..
لم يبق لنا سوى أن نشكّ، واليوم زمن الشك، ربما نحن من أخطأنا وأخطأ آباؤنا وأجدادنا، وما علينا سوى الرحيل… أليست الجزائر تاريخيا قطعة من فرنسا، ونحن الغرباء فيها؟ ألسنا نحن مَن مَنعنا هذا الاتحاد بين ضفتي هذا البلد المتقدم والمتحضر؟ أليس من الأفضل لنا أن نرفع الراية البيضاء لأحفاد الباشوات؟ أليس هذا ما تريدون لكي لا يُنَكَّل بنا مرة أخرى؟
لكم ذلك، مادام الزمن زمنكم.. فقط هو أمرٌ واحد لا نستطيع أن نضمنه لكم: غير المتحضر لا يعرف متى وكيف يثور.
ـــــ
كتاب، بن قانة آخر ملوك الزيبان (2017).