الجزائر
مقاطع فيديو تطيح باللصوص والمنحرفين

انتشار ثقافة التبليغ.. سلاح جديد في الحرب على الجريمة

م. مراد
  • 645
  • 0
ح.م

انتشرت في الآونة الأخيرة حالة من الوعي والمسؤولية لدى الكثير من المواطنين، من خلال تحليهم بثقافة التبليغ وتغيير المنكر في شتى المجالات، لاسيما ما تعلق بارتكاب الجرائم والاعتداءات على المواطنين وممتلكاتهم، باللجوء إلى التبليغ عن طريق الأرقام الخضراء التي وضعتها مختلف الأسلاك الأمنية تحت التصرف بشكل مجاني، أو من خلال عرض مقاطع فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي تكشف هوية الفاعلين وطبيعة الجرم الذي اقترفوه، ما يختصر للأجهزة الأمنية الطريق لفك هذه الجرائم، وهو مؤشر إيجابي يعكس روح المواطنة التي تفرض تضافر مجهودات الجميع لكبح الجريمة بمختلف أشكالها.
ولاية سيدي بلعباس، التي اتخذناها عينة، تعرف هي الأخرى انتشارا واسعا لهذا الوعي الذي ساهم بشكل كبير في القضاء على بؤر الإجرام وتوقيف المنحرفين، على غرار القضية الأخيرة التي عاشها حي عدة بوجلال، أين اندلعت مشادة طاحنة بين فئتين من الشباب استعملت فيها مختلف الأسلحة البيضاء والكلاب الشرسة، وبينما كانا الطرفان يتبادلان الضربات، كانت كاميرا أحد المواطنين توثق الأحداث، وتعرف بهوية الفاعلين، ما مكن قوات الأمن وباحترافية كبيرة من توقيف جميع المشتبه فيهم في ظرف قياسي، وسط استحسان كبير من طرف المواطنين الذين أشادوا بالتدخل السريع والفعال لقوات الأمن.
وفي واقعة مشابهة انتشر مقطع فيديو، تهدد فيه مجموعة من الشباب مدججة بالأسلحة البيضاء، شبابا من حي آخر بقرية البواعيش وتتوعدهم بالتصفية، الأمر الذي عجل باتخاذ الإجراءات اللازمة التي مكنت من مداهمة جميع المشتبه فيهم وتوقيفهم مع حجز الأسلحة البيضاء التي كانت بحوزتهم، والتي ظلت تستعمل لترهيب سكان المنطقة والمساس بسكينتهم، وفي قضية أخرى عمل بعض المواطنين على توثيقها من خلال مقطع فيديو تم طرحه لتبليغ الجهات الأمنية، بإقدام مجموعة من الشباب مدججين بالأسلحة البيضاء، بالتهجم على نسوة كن ببيتهن الواقع بالحي السكني بطريق بوخنفيس، وجاء بعدها تدخل سريع من طرف مصالح الأمن التي تمكنت من توقيفهم وحجز الأسلحة التي كانت بحوزتهم بعد ما ظلوا يطلقون الرعب وسط السكان.
وساهمت ثقافة التبليغ والكشف عن هوية مقترفي مختلف الجرائم والاعتداءات، في تطويق رقعة الإجرام ودفع المجرمين للعدول على أفعالهم، كما وضعت الكثير من المتهورين في تصرفاتهم أمام مسؤولياتهم الجزائية، على غرار حادثة اعتداء رجل على جارته بالمجمع السكني الجديد ببلدية تلموني مؤخرا، عندما تحولت ملاسنات بينهما إلى ضرب من طرف الجار، بينما كانت كاميرا أحد الحضور توثق ذلك، وهو الفعل الذي تداوله رواد منصات التواصل الاجتماعي وتبعه تحريك الدعوى العمومية وتقديم الأطراف أمام نيابة محكمة سفيزف للنظر في القضية التي ينتظر أن يفصل فيها أواخر الشهر الجاري.
التبليغ عن المناورات الخطيرة بمختلف طرقات الولاية، ساهم أيضا في التقليل من مخاطر حوادث المرور التي كثيرا ما يتسبب فيها المتهورون في السياقة، من خلال الاتصال بمصالح الأمن عبر الأرقام الخضراء وفي أحيان أخرى عن طريق منصات التواصل الاجتماعي بتوثيق الفعل بالصور ومقاطع فيديو.
إضافة إلى مقاطع الفيديو التي تطرح على منصات التواصل الاجتماعي، بهدف إرشاد الأجهزة الأمنية إلى الجرائم المرتكبة ومقترفيها، فإن الكثير من المواطنين الذين لديهم حس إيجابي بالمسؤولية المشتركة في القضاء على مختلف أشكال الجريمة، يلجأون للتواصل مباشرة بمصالح الأمن عبر الأرقام الخضراء، على غرار الرقم الأخضر 1548 والرقم 17 الذي تضعه مصالح الشرطة مجانا أمام المواطنين، أين سجلت مصالح الأمن الولائي في ظرف شهر واحد، 396 تبليغ عن ارتكاب جرائم وأفعال مخالفة للقانون، و40 تبليغا عن مناورات خطيرة يقوم بها أصحاب المركبات ووقوع حوادث مرور، وتؤشر الأرقام المسجلة عن الثقة التي أصبحت لدى المواطن تجاه مصالح الأمن، بفضل التحرك السريع للوحدات العملياتية للشرطة فور تلقيها التبليغ، والعمل على كبح الجريمة وتوقيف فاعليها في ظرف قياسي، كما يبقى دوام الخدمة على مدار 24 ساعة، دافعا لاستخدام الأرقام الخضراء وعدم التردد في كشف كل الأفعال التي من شأنها المساس بأمن المواطن و ممتلكاته.

ثقافة التبليغ ساهمت في حماية الثروة الغابية
ساهم الرقم الأخضر 1070 الذي تضعه محافظة الغابات مجانا تحت تصرف المواطنين، بشكل كبير في التبليغ عن مختلف التجاوزات والأفعال التي من شأنها أن تهدد الثروة الغابية، لاسيما منها التي تعتبر من المسببات الرئيسية لاندلاع حرائق الغابات، على غرار التبليغ عن الرمي العشوائي للنفايات بحواف وداخل الفضاءات الغابية، وكذا وجود العجلات المطاطية وسط الغابة وكثيرا ما تكون سببا في اندلاع النيران، وهي التبليغات التي مكنت من القضاء على النقاط السوداء وجمع وإزالة ما يقارب 900 إطار مطاطي تم رميه بشكل عشوائي بالكثير من غابات الولاية.
إلى جانب ذلك، فإن ثقافة التبليغ التي أصبح أغلبية المواطنين يتحلون بها، مكنت أعوان الغابات من إجهاض عديد محاولات قطع وسرقة الخشب من وسط الغابة، التي تعتبر من الجرائم التي تهدد هذه الثروة الوطنية، إلى جانب ذلك، فإن الحفاظ على الثروة الحيوانية يتطلب تكاتف جهود الجميع، وهو ما يجعل الكثير من المواطنين يتصل للتبليغ عن حالات الخطر التي تهدد مختلف أصناف الحيوانات لاسيما المحمية منها، من خلال الاتصال بالرقم الأخضر وفي أحيان كثيرة عبر الصفحة الرسمية للمحافظة بإرسال مقاطع فيديو وصور تدل على مكان وحالة الحيوان، ما يساهم في التحرك السريع لأعوان الغابات من أجل التكفل به.

محام: القانون يعاقب المتسترين على الجرائم
“نتأكد من خلال التعاطي مع بعض الملفات كمحامين، على أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تلعب دورا معتبرا في التبليغ على هذه الجرائم والإحاطة بكل ما يمكن أن يحدث” يقول الأستاذ حمدي عبد الرحيم، المحامي المعتمد لدى المحكمة العليا، ما يساعد في الوصول لحقيقة تلك الجريمة، باعتبار ان الهواتف المحمولة وكاميرات المراقبة تعتبر من أكثر التقنيات المساعدة على إيجاد دليل حقيقي ومادي يثبت الواقعة المادية للجريمة بعينها ويوثق الجرم المرتكب من المجرم”.
وأضاف الأستاذ حمدي عبد الرحيم، مضيفا أن التبليغ عن الجرائم يعزز من الأدلة والشهادات التي تقدم أمام القضاء، ومن خلال وجود نصوص قانونية حول التبليغ فإن المادة 45 من قانون العقوبات تعرف بالأعذار المعفية من العقوبة، بمعنى أن كل شخص يعقد العزم على المشاركة في جناية تمس بالنظام العام والأمن العام، ثم يبلغ عنها السلطات قبل وقوعها، فإنه معفى من تلك العقوبة بسبب ذلك التبليغ، كما أن المادة 91 من قانون العقوبات الجزائري تعاقب كل من كان على علم بوجود جناية تمس بأمن الدولة ولم يبلغ عنها، فإنه في منظور القانون –يضيف- بمثابة الفاعل الأصلي في الجريمة، وعليه فإن المشرع الجزائري يحيط تلك الإجراءات الخاصة بالتبليغ بكثير من السرية وعدم ذكر هوية المبلغ، إلا إذا اقتضت إجراءات التقاضي ذلك. كما أن الأشخاص الذين لهم أدوار ثانوية أو شهود عيان في الجريمة ويقومون بالتبليغ عنها قبل وقوعها فإنه تسقط عنهم المسؤولية ويتم إعفاءهم من المتابعة كمتهمين في تلك الجرائم، ويعتبر ذلك من الضمانات القانونية التي يقدمها المشرع الجزائري يقول المتحدث.

“الساكت عن ارتكاب المنكر كفاعله”
يقول الإمام المعتمد الحاج عبد الحق إن التبليغ عن الجرائم يدخل في صلب ديننا الحنيف، فتغير المنكر هو التزام بوصايا النبي صلى الله عليه وسلم، الذي قال “ليس وراء من الإيمان حبة خردل”، بمعنى أنك لو لم تغير المنكر الذي شاهدته فإنك مشارك في ارتكابه يقول المتحدث، مضيفا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو واجب على كل فرد حسبه، والأكثر من ذلك فإن رؤية المنكر والتغاضي عليه يكلف صاحبه غضب الله، وكان الحبيب المصطفى قال الساكت عن الحق كالناطق بالباطل وكلاهما شيطان – يضيف- نرى اليوم أن ثقافة التبليغ عن المنكر تعرف انتشارا كبيرا في دول الغرب، بينما الأولى أن نتحلى بها نحن المسلمون، لأننا أمرنا بتغيير المنكر بكل الطرق التي يستطيع عليها المرء، وهو ما يخلق الثقة والسكينة وسط الأمة ويقمع الجريمة ومرتكبيها يقول، مؤكدا أن التحلي بثقافة التبليغ لهو سبيل لتمساكن المجتمع والحفاظ على أمنه وعرضه يقول المتحدث.

مقالات ذات صلة