انتفاضة الجنوب.. احذروا غضب الحليم!
مرة أخرى ينتفض شباب ورقلة وتقرت والمغيَّر وحاسي مسعود والمنيعة وضواحيها في الجنوب الكبير، احتجاجًا على معاناة البطالة وظروف الحياة القاسية وطرق التوظيف بالشركات النفطية الناشطة بحقول الصحراء، حيث يجري البترولُ والغاز تحت أرض السكان، ولكنّ بعضهم يكابدون فوقها شظف العيش والحرمان.
لقد كان الأوْلى بمنطق الحكمة وإدارة الدولة، والاحتجاجات تتوسّع يومًا بعد يوم، ورّبما تدفع بها أطرافٌ للانحراف عن مقاصدها الاجتماعية المشروعة، أن ينزل ممثلو الحكومة والسلطات العليا لمقابلة المواطنين الغاضبين، والإنصات بكل تواضع لانشغالاتهم الملحّة، وطمأنتهم بشأن المطالب المرفوعة في حدود الإمكانات المتاحة حاليّا للبلاد، لأنّ التعاطي الأمني المعزول عن المسار السياسي لن يؤدي إلى احتواء الأوضاع، بل قد يؤجِّجها ويفتح المجال للمتربصين بالاستقرار العام للنفخ في نار الفتنة والتعفين.
نحن اليوم في جزائر نريدها جديدة، تجعل حقوق المواطن وكرامتَه مركزَ اهتمامها، لذا على الحكومة أن تتفهّم ما يُقاسيه جزائريون في تلك المناطق الوعرة، وأن تخاطبهم بلسان الأبوَّة والحُنوّ، فهم مسالمون وغيورون على وطنهم ومقدِّرون لكلِّ المخاطر المحدَقة به، على خلاف ما أشاعه عنهم تعجرفُ عهد العصابة الذي ولّى معها، ولا نزال نتذكّر بمرارة وصف وزير أول سابق لاحتجاجات الجنوب في 2018، بأنها “أعمال شغب تستحقّ السجن في بلدان أخرى”، لكن مشيئة الله قادته هو إلى الزنزانة، وبقي الأحرار منافحين عن حقهم في الحياة الكريمة.
سيكون من الجحود التنكّر لجهود الدولة التنموية في الجنوب الجزائريّ بكل جهاته، فقد شيّدت الجامعات والمدارس والمستشفيات والمرافق العمومية، كما شقت الطرقات وعمّمت الكهرباء والغاز ومجاري الصرف والمياه وغيرها من الخدمات الكثيرة، ودعمت الفلاحة والصناعة ومختلف الاستثمارات الصحراويّة، لكن يبقى واقع التشغيل لأغلبية السكان على الأقل أمرًا مستعصيًا، لارتباطه بتحقيق القيمة المضافة في الاقتصاد الإنتاجي، حتّى نخلق الثروة ومناصب العمل القارّة.
غير أن ذلك لا يحجب أبدا الممارسات الجهوية العفنة من مسؤولين في الشركات النفطية، وآخرين في هيئات التشغيل، وقد اعترف بها ضمنيّا وزيرُ العمل السابق، الهاشمي جعبوب، حينما أوفد لجان تحقيق ميدانية إلى ولايات الجنوب، قبل أن يتخذ جملة من الإجراءات الاستعجالية ضدّ التجاوزات المسجلة، أبرزها إقالة مدير التشغيل بولاية ورقلة.
ليس مطلوبًا أن يكون التوظيف حكرا على أبناء الجنوب، خاصّة لما يتعلّق الأمر بشَغْل الوظائف بمناصب نوعيّة مرهونة بمؤهِّلات فنيّة محددة، لكن التقيّد بمبادئ العدالة والمساواة في إتاحة الفرص أمام جميع الجزائريين من القواعد الدستوريّة والأخلاقية التي لا تقبل التجاوز تحت أي ظرف، بل من الواجب إعطاء سكان المناطق الصحراوية الأولوية على غيرهم في شَغْل الوظائف العاديّة بالشركات العاملة هناك، وذلك ضمن أهداف التنمية المحليّة، إذ ليس من المعقول أن تجد الفتيات الشقراوات من شمال الوطن يتربَّعن على المناصب تحت برد المكيفات، بينما يجلس شبابٌ مفتولُ العضلات على قارعة الطريق، تلفحه حرارة الشمس مُترقّبًا الأفق المجهول، بلا عمل ولا سكن ولا أسْرة، في عِداد الأموات الأحياء وغياهب النسيان.
سيكون من الحلول العاجلة إجباريّا تطهير ملف التشغيل في الجنوب، لكنه لن يلبيّ الاحتياجات المتزايدة على مناصب العمل في ظل الظروف العامة لبلادنا، ومعدّل النمو الديمغرافي المرتفع، ومخرجات الجامعة المتنامية، ما يفرض على السلطات تنفيذ مقاربات فعَّالة في تشجيع المشاريع الاستثمارية الفعليّة وفق خصوصيات المنطقة، وعلى رأسها دعم القطاع الفلاحي والصناعات التحويلية، لاسيما أنّ أهلها يمتلكون حبّ العمل والإنتاج في أقسى الظروف الطبيعية.
لا نتمنّى أبدا أن تتحول المطالب الاجتماعية المتراكمة منذ سنوات، بفعل الفشل والفساد، ولا ذنب للسلطة الجديدة فيها، إلى قنابل موقوتة، يفجِّرها الحاقدون والمتآمرون على الوطن، لتصفية حساباتهم السياسيّة وخدمة مآربهم الضيقة، وقد بدؤوا الشحن والتجييش لركوب موجة الغضب الشعبي العفوي.
وأول خطوة على طريق التهدئة هي نزول الحكومة إلى المنطقة والحوار مع المواطنين بكل شفافيّة، لأنّ جنوبنا الكبير أيضا من ثغور الوحدة الوطنية الصلبة التي لا نريدها أن تكون عرضة للاهتزاز أو الاختراق من مراكز الشرّ الداخلي والإقليمي.
بقي كذلك تنبيهُ إخواننا في مناطق الاحتجاج إلى ضرورة التحلّي بالوعي والحفاظ على السلمية الكاملة، بل منح الفرصة الزمنيّة للحكومة الجديدة، لأنّ المشكلة متشابكة ومتراكمة وموروثة، ولا يُتخيَّل حلُّها بين عشية وضحاها، لكن يمكن التخفيفُ منها فورا بجملةٍ من الإجراءات الصارمة.