اِرْحَمُوا رؤساء التحرير… في زمن الذكاء الاصطناعي!
لطالما مثّل رؤساء تحرير المجلات الأكاديمية الركيزة الأساسية في النظام الجامعي عبر العالم، فهم موظفون إداريون وعلميون أوصياء على جودة مضامين مجلاتهم وضامنون لأخلاقيات النشر العلمي. ورغم أنهم يعملون في الظل، فإن أثرهم ينعكس على جميع مناحي الحياة الجامعية: من تقييم الأداء الأكاديمي للباحثين، إلى ترسيخ مصداقية المؤسسة وخدمة سمعتها. ومع ذلك، فإن ما يعانونه من ضغط وإرهاق غالبًا ما يظل طي النسيان لا يبالي به أحد.
صورة قاتمة
نلخص هنا مقالا نُشرته أسبوعية “أخبار الجامعات في العالم’ (UWN) الصادرة بلندن، بعنوان “عالم بلا رؤساء تحرير؟ على الجامعات أن تنتبه…”. يعرض الكاتبان صورة قاتمة لهذا الوضع، ولكنها صورة واقعية. فاليوم لا يقوم رئيس تحرير مجلة بفرز البحوث العلمية وتوجيهها للمحكمين فحسب بل يضطلع بوظائف متعددة: بداية من استقبال الأعمال، إلى قراءة مئات الصفحات، إلى التواصل مع مُحكّمين غالبًا ما يرفضون طلب التحكيم، إلى تفسير تقارير التحكيم والربط بينها، إلى تنسيق العلاقة المعقّدة بين المؤلفين والمحكمين والناشرين. وفق كل ذلك، فرئيس التحرير له مهام أساسية أكاديمية، من تدريس وإشراف على الأطروحات وإنجاز أبحاث علمية للنشر.
غير أن الواقع بات يتجاوز اليوم هذا العبء التقليدي. فقد تغيّرت بنية الإنتاج العلمي مع دخول الذكاء الاصطناعي ساحة البحث والنشر. ولم يعد التحدي الرئيسي هو جودة البحث المقدم للنشر بل صار المشكل يكمن في صدق العلاقة بين الباحث ونصه. لقد باتت الأدوات الذكية، مثل “تشات جي بي تي” و”ديبسيك” وغيرهما، تنتج مسودات علمية متكاملة، تلخّص المراجع، وتنسّق الببليوغرافيا، وتصوغ الأفكار العلمية بأسلوب أكاديمي سليم. كل ذلك جعل من الممكن تقديم بحوث جاهزة للنشر دون جهد بشري يُذكر. والنتيجة؟ علاقة سطحية بين المؤلف ونصه، وتدنٍّ خطير في جودة التفكير والكتابة النقدية الأصيلة.
ومن ثمّ أصبح رئيس التحرير الآن مطالبا بأن يتجاوز فحص المنهجية والاستنتاج والأسلوب لما يصله من مقالات، ليصبح شبه محقِّق بوليسي: هل كتب الباحث هذا النص فعلًا؟ أم أنه من إنتاج خوارزمية بارعة؟ لقد فرض هذا التحوّل مهمّة جديدة -تقع على عاتق رئيس التحرير- لم تكن في الحسبان، منها كشف السرقة الذكية، ورصد المؤلفين الوهميين، وضبط التحايل الآلي. ورغم كل هذا، لا تحظى هذه المهام بتقدير المؤسسات والقرّاء والمتابعين. فالعمل التحريري لرئيس التحرير لا يُحتسب عادة في تقييم الأداء الجامعي، ويُنظر إليه على أنه “خدمة إضافية” لا أكثر. هذه الأزمة دفعت ببعض الجهات في العالم إلى مطالبة المؤسسات الجامعية اعتبار مهام رئيس التحرير والمراجعة العلمية جزءًا من الإنجاز الأكاديمي الرسمي. وقد لاقى هذا النداء صدى دوليًا، وانتشر عبر افتتاحيات عدد من المجلات وكثير من المدونات العلمية.
الذكاء الاصطناعي يُربك أخلاقيات النشر
غير أن الأخطر من ذلك هو السؤال: هل نحن مُقْبِلون فعلًا على عالم نشر بلا رؤساء تحرير؟ هل ستتولى الخوارزميات مهمة النشر كاملة، من كتابة البحث إلى تحكيمه ونشره؟ هذا الاحتمال لم يعد محض خيال. ذلك أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على توليد محتوى علمي وتلخيصه وتنسيقه وفق سياسة وتعليمات المجلة التي اختارها الباحث لنشر مقاله.
من ناحية أخرى، شرع بعض الناشرين بالفعل في استخدام خوارزميات لفحص الأبحاث، ورصد السرقة، والتحقق من المراجع، وحتى اقتراح قرارات قبول أو رفض ! وبالتوازي مع ذلك، انتبه بعض الباحثين المحتالين إلى الثغرات التي تعتري أنظمة الذكاء الاصطناعي، خاصة لدى المجلات التي تعتمدها في عملية التحكيم العلمي. وللالتفاف على الأحكام السلبية التي قد يصدرها “المحكّم الآلي”، عمد هؤلاء إلى دسّ تعليمات خفية داخل نصوص أبحاثهم، لا تراها العين المجرّدة، لكن تلتقطها الخوارزميات بوضوح، فتتلقّى أوامر مباشرة بتجاهل بعض العيوب الجوهرية أو تبريرها، لتنتهي عملية التقييم بقرار إيجابي يوصي بالنشر، متجاوزًا كل ما في البحث من نقائص وثغرات ومغالطات.
وبما أن كثيرًا من الباحثين أصبحوا يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في “الإنتاج الكمّي” دون جودة فكرية حقيقية، فإن النشر العلمي قد يتحول تدريجيًا إلى منظومة مُؤَتْمَتَة، فيها يكتب المؤلف بالكاد اسمه، وتُحكّم الأبحاث من قبل خوارزميات، وتُراجع من أدوات تحقق رقمية، وربما تُنشر تلقائيًا في “سلسلة نشر لامركزية” تحاكي أنظمة العملات المشفرة. يُهدّد مثل هذا السيناريو وجود المعايير العلمية التقليدية، ويحيل البحث إلى عمل آلي لا يعكس معارف الباحث الحقيقية. وهكذا، في غياب رئيس تحرير بشري تختفي الرقابة الأخلاقية، ويتراجع الحوار العلمي الجاد لصالح منتجات متشابهة ومتكررة، لا تُسهم في إثراء الفكر.
وما الذي يجعل الأمر أكثر خطورة هو التراخي المؤسساتي تجاه هذا الانحدار. فلا تزال الجامعات تُقوّم الأداء الأكاديمي بناءً على عدد المنشورات، لا على قيمتها، ولا على مصداقية من قام بتحريرها أو مراجعتها. وكلما زاد الضغط على الباحثين للنشر زادت الضغوط على رؤساء التحرير، ومن ثمّ يزيد الإغراء في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتسريع العملية.
غير أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت دقته وفاعليته، لا يستطيع –على الأقل في الوقت الحالي– أن يحلّ محل الرؤية النقدية والبشرية التي يمتلكها المحرر الأكاديمي الحقيقي. ولا يستطيع أن يحلّ معضلات كثيرة، أو يكتشف التلاعب الضمني في الأرقام في الأبحاث ذات الطابع التجريبي، أو يفكك الخطاب العلمي الزائف. ووسط هذه التحديات، يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن تخيل جامعة حديثة بلا محررين علميين؟ وهل يمكن اختزال دورهم في مجرّد أَتْمَتَة رقمية تحكمها الخوارزميات؟ الجواب على الأرجح: لا. ذلك أن التحرير ليس أمرا تقنيا، بل هو ثقافة، وفهم، وموقف من المعرفة، ووظيفة أخلاقية قبل أن يكون مهنية. وحين تغيب هذه الروح التي يتحلى بها رئيس التحرير، تتحوّل المجلة إلى قناة توزيع، لا منصة نقاش وتفاعل علمي.
إن مستقبل النشر العلمي لن يُبنى على الخوارزميات وحدها إذ يحتاج إلى توازن دقيق بين الكفاءة التقنية والمساءلة البشرية. ولا سبيل لتحقيق ذلك دون الاعتراف الصريح بدور رؤساء التحرير، ودعمهم، وتوفير الحماية المهنية لهم، وتقديرهم ضمن آليات الترقية والتقييم.
ومن أجل ذلك، لا بد من ظهور تحوّل ثقافي حقيقي داخل المؤسسات الأكاديمية: من تقديس الكمّ إلى تشجيع الكيف، ومن الانبهار بالتقنيات الجديدة إلى ترسيخ المبادئ العلمية الأساسية، ومن إهمال العمل التحريري البشري إلى احتضانه كأحد أركان الحضارة المعرفية.