بأي حال عدت يا عيد!
إلى غاية نهاية ثمانينيات القرن الماضي كان الخامس جويلية من كل سنة ذكرى سنوية نحتفل فيها بعيد الاستقلال لواحدة من أكبر ثورات القرن العشرين، وبعدها تحوّلت التسمية إلى”عيد للاستقلال والشباب” سعيًا من الدولة إلى ربط تضحيات الأجداد والآباء بتطلعات الأبناء من الجيل الصاعد الذي أريد لعيده أن يرتبط بعيد الاستقلال ليكبر على روح التضحية والكفاح، ويساهم بدوره في بناء وطنه أملًا في تسلم المشعل بعد عمر طويل.
العمر الطويل انقضى بعد أكثر من نصف قرن، وتحوّل الاستقلال إلى استغلال واحتكار، وصار الشباب شيوخًا أنهكتهم المتاعب والمصاعب، وصارت المناسبة مجرد ذكرى لا نفرح فيها بقدر ما نتألم على أوضاع وطن ليس ككل الأوطان، ووطن يسيء إليه رجاله ويفر منه أبناؤه، ويخجلون من كل الممارسات التي يمارسها من احتكروا التضحية والوطنية لأنفسهم دون غيرهم، ومن استحوذوا على السلطات والخيرات، وراحوا يضيقون على الحريات وكل المبادرات، ويعتبرون أنفسهم هم الدولة وهم الوطن، وهم من ضحوا من أجله، والبقية مجرد أرقام في معادلة لا تخضع لأي منطق!
عيد الاستقلال صار ذكرى تؤلمنا لأننا لم نحقق كل طموحاتنا وآمالنا، وتؤلمنا لأننا لم نكن في مستوى تضحيات الشهداء والمجاهدين والمناضلين، وأولئك الذين ساهموا في بقاء الجزائر واقفة في سنوات الدم والدمار، فوجدنا أنفسنا بعد نصف قرن من الاستقلال نتنكر لكل تلك التضحيات، ووجدنا أنفسنا أمام صعوبات وتحديات لا علاقة لها بالفكر والعلم والحق والعدل ومشروع المجتمع، بل أمام مصائب مجتمع لا تزال تغذيه صراعات جهوية وعقد نفسية ومصالح شخصية زادت من الأحقاد والفتن!
صرنا نحزن ونتألم كلما نتذكر تضحيات الرجال، وكلما نتوقف عند إنجازات أمم أخرى بأقل التضحيات والإمكانات، لكنها تفوقت علينا في إحقاق الحق وتحقيق العدالة الاجتماعية وتشجيع الممارسة الديمقراطية وبلوغ التنمية الشاملة، وتفوّقت علينا بفضل تفتحها على العالم، وتقديرها للعلم والعمل، وتحررها من كل العقد النفسية والتاريخية التي مازالت تلازم كثيرين منا، وتزيد من الاحتقان بين أبناء الوطن الواحد، وتهدد مستقبل الأجيال الصاعدة التي صار همها المادة والمصالح الآنية!
الجزائريون لم يعودوا يتذوقون طعم عيد الاستقلال، والشباب لم يعد لهم عيد بعدما تم اختطاف كل شيء جميل، وتم الاستحواذ على كل أسباب السعادة والرفاهية التي صارت حكرًا على بعض دون غيرهم من أبناء الجنوب، وأبناء الجزائر العميقة، وأبناء الفقراء الذين تتزايد أعدادهم في وقت يزداد الأغنياء غنى وتزداد الهوة بين أبناء الشعب، ويزداد التراجع في مجال الحريات، والتخلف الفكري والثقافي والاجتماعي رغم كل قدراتنا البشرية والمادية والطبيعية، ورغم كل الذي تحقق منذ الاستقلال بفضل كل أبناء الشعب المثابرين والصابرين الذين لايزال يحذوهم الأمل في رؤية بلدهم مثل البرازيل وأندونيسيا وماليزيا التي نهضت وازدهرت بالحب والتسامح والديمقراطية وليس بالحقد والكراهية والإقصاء.
رغم كل الألم الذي نشعر به اليوم إلا أن الأمل يبقى قائمًا في بزوغ شمس يصبح فيها الخامس جويلية فعلًا عيدًا وطنيًا للاستقلال والشباب عندما نتحرر من أنانيتنا، ونستقل بقرارنا وتفكيرنا واقتصادنا، وعندما تعود الجزائر مفخرة لكل الجزائريين، ويصبح فيها الشعب سيّدًا وليس عبدًا، ويصبح المسؤول خادمًا لهذا الشعب وليس سيّدًا عليه!