بإمكاننا استباق الأزمة…
هناك من لا يتوقف عن التبشير بالأزمة، بالفتنة القادمة، بالانهيار أحيانا، وهناك من يبشر بالحل، وبينهما تقف غالبية مترددة، هل نحن سائرون نحو الأزمة أم نحو الأفق الأرحب والحل… يبدو أن البديل الثاني هو الأقرب إلى التحقيق خلافا لما يبرز على السطح من عناصر تكاد تُلغي كل إمكانية لاستباق المخاطر وكل قدرة لدينا لإدارة الأزمات…
ليست المشكلة في أن تحدث لديك أزمة إنما في أن تحدث لك فجأة في الوقت الذي لا تتوقعها فيه، في شكل مفاجأة استراتيجية كما يُسميها العسكريون، بمعنى أن المشكلة ليست في الأزمة في حد ذاتها، إنما في انفجارها في الوقت الذي لا نتوقع أن تحدث فيه، عندها تكون مخرِّبة ومدمِّرة لأنها لا تعطينا الفرصة للتعامل والتكيف معها…
أما عندما تحدث ونحن نعتقد أو حتى نشك في أنها ستحدث فإنها تفقد صفة المفاجأة الاستراتيجية وتصبح غير قادرة على إقحامنا في زمن قصير في دوامة من المخاطر التي لا قِبل لنا بها ومن ثَم تُصبح غير قادرة على الاستمرار في الزمن الطويل. إذ يكفي توقعنا لمسارها حتى نربح أنها لن تكون مباغتة وسريعة ونمنع أن تكون مدمرة ومخربة حتى وإن حدثت.
ولعل هذا ما علَّمتنا إياه خبرتنا التاريخية التي مازالت ماثلة في الأذهان.
في بداية تسعينيات القرن الماضي، كانت الأزمة بالنسبة لنا بحق مفاجأة استراتيجية: كنا جميعا نتوقع أننا سندخل عهد الحرية والديمقراطية، وأن زَمَن التعددية سيكون سخاء رخاء علينا، لم يكن هناك إرهاب ولا كانت هناك بؤر توتر محيطة بنا وأزمات مشتعلة على الحدود، ولا ظرفا دوليا ضاغطا بالوسائل العنيفة التي نراها اليوم. لم تكن هناك “داعش” ولا هذا العدد الهائل من الجماعات المتطرفة المنتشرة في كل مكان.. فإذا بنا ننتقل فجأة من حال إلى نقيضه تماما، وندخل في دوامة من العنف لا قِبل لنا بها، ونعمق الأزمة بأيدينا إلى أن كادت تعصف بنا جميعا وإلى غير رجعة…
بإمكاننا الإسراع ببناء مؤسسات شرعية بها ممثلون حقيقيون للشعب الجزائري عبر انتخابات حرة ونزيهة تُشرف على مسارها الكلي هيئة مستقلة يتفق عليها الجميع. وأعتقد أنه من قبيل الحكمة القبول بمقترح المعارضة في هذا المجال.
أما اليوم فإننا نكاد جميعا نعيش حالة استنفار وخوف من الوقوع في الأزمة. نرى في كل المؤشرات المحيطة بنا سببا محتملا لوقوعها، وأحيانا بمبالغة واضحة،حيانا بمبالغة واضحة،أأ ونأخذ احتياطاتنا إن على المستوى الفردي أو الجماعي، الشعوري أو اللاشعوري، لذلك فإنها تكون قد فقدت مسبقا صفة المفاجأة التي يمكن أن تجعل منها أزمة عاصفة قادرة على إيذائنا أو تحطيمنا، وعندما تفقد هذه الصفة يكون ذلك مؤشرا على أنها لن تقع أو أننا قادرون على استباقها ومنعها من الوقوع.
ألا تعني قدرة كل مواطن، متابع عادي للأحداث، على إعطائنا توصيفا، لما نُسمّيه بوادر أزمة قادمة، وأحيانا بعض الحلول لها، أننا في وضع يسمح لنا باستباقها ومنع حدوثها؟
يبدو لي الأمر كذلك، فنحن نتفق اليوم، إلا نادرا في كثير من الأمور:
على الصعيد السياسي، أن هناك اهتزازا واضحا في مؤشر الثقة الذي يُفترض أن يكون أساس استمرار الدولة، ناتجٍ عن شكوك مؤسَّسَة في مدى شرعية الهيئات الممثلة للشعب الجزائري، كما يتفق معظمنا أن لدينا مؤسسات لا تشتغل بالقدر الكافي من الفعالية أو هي عديمة الكفاءة تماما، لأسباب غير خفية على أحد. ويكاد يتفق معظمنا أخيرا أننا لم نتمكن من إعداد دستور توافقي للبلاد يرضى به الجميع ويمكننا من الانتقال إلى وضع جديد بسلام لأننا نعرف وضعا غير طبيعي في أعلى هرم السلطة.
أما على الصعيد الاقتصادي فهناك شبه إجماع على وجود فساد مالي ينخر مؤسساتنا، وتبديد غير محدود لمواردنا المختلفة، وتبعية شبه كلية لمؤسساتنا واقتصادنا الوطني لأسعار البترول التي ما فتئت تنهار منذ قرابة السنة وبلا توقف، فضلا عن تبعية سوقنا الاستهلاكية التي تكاد تكون هي الأخرى تبعية كاملة للمنتجات الأجنبية.
وعلى الصعيد الثقافي، كل المؤشرات تدل أن هناك عناصر واضحة لأزمة قيم وأزمة أخلاق وتربية وأننا في حاجة إلى إعادة بناء كل منظومتنا التربوية والى تقديم قراءة صحيحة لتنوعنا الثقافي واللغوي، وإلى قراءة جديدة للإقليم الجزائري بما يتناسب والتطورات الحاصلة على صعيد النمو السكاني والتوزيع الديمغرافي غير المتوازن…
بمعنى أننا ندرك حقيقة عوامل أزمتنا ولا نختلف إلا في العوامل المضادة لها. وهذه في حد ذاتها خطوة ينبغي تثمينها: جميعنا نعيش وضعا مُدرِكا لما هو قادم ونكاد نشترك في أهمية رفع سقف التفكير إلى البحث عن الحلول.
وإذا اتفقنا حول ذلك، وكانت لدينا دراية كافية بالعوامل الموضوعية القادرة على التغيير، نكون قد تمكَّنا من التحكم في العاملين الرئيسيين البعدي والقبلي للأزمة: الأسباب والحلول، ونكون قد وضعنا أنفسنا في حالة استباقية لوقوعها، ولم يبق لنا سوى استباقها بالقدر الذي يجنبنا أكبر قدر من الخسارة الممكنة وكل الخسارة المحتملة.
ولعل هذا ما يجب علينا عمله على كافة المستويات سياسيا واقتصاديا وثقافيا.
ليس أمامنا سوى صياغة مشروع نهضة ثقافية وعلمية تُصحّح موقع العلم والمعرفة من منظومتنا الاجتماعية والاقتصادية، وتضع ضوابط لبناء الفرد من الأساس مع إعادة الاعتبار لمركزية قيمة العمل والجهد والكفاءة.
سياسيا بإمكاننا الإسراع ببناء مؤسسات شرعية بممثلين حقيقيين للشعب الجزائري عبر انتخابات حرة ونزيهة تُشرف على مسارها الكلي هيئة مستقلة يتفق عليها الجميع. وأعتقد أنه من قبيل الحكمة القبول بمقترح المعارضة في هذا المجال، إذ ليس هناك ما يمنع من تأسيس مثل هذه الهيئة والشروع الفوري في تغيير تمثيلية المؤسسات المنتخبة بما يتطابق حقيقة مع الواقع الجزائري الجديد.
واقتصاديا بإمكاننا الاتفاق على رؤية قريبة ومتوسطة وبعيدة المدى يساهم فيها خبراء اقتصاديون وأرباب مؤسسات يعطى لها السند السياسي الكافي في المؤسسات المنتخبة ويُشرَع في تنفيذها باتفاق مع الجميع.
وثقافيا ليس أمامنا سوى صياغة مشروع نهضة ثقافية وعلمية تُصحّح موقع العلم والمعرفة من منظومتنا الاجتماعية والاقتصادية، وتضع ضوابط لبناء الفرد من الأساس مع إعادة الاعتبار لمركزية قيمة العمل والجهد والكفاءة ضمن مسار بناء الشخصية أو تلبية حاجاتها…
أي أننا بدل أن نضع أنفسنا ضمن وضعية المستسلم لما يتوقع أنه مرض قادم، أزمة قادمة، علينا أن ننتقل إلى حالة التأهب والشروع في العلاج الفوري والقادر على تجسيد أفضل بديل. وهو ما يمكن أن نُسميه بالانتقال من حالة الموقف السالب من المستقبل أو موقف رد الفعل الذي ينتظر وقوع الأزمة واشتعالها بوضوح حتى يفعل شيئا، إلى موقع المستبق للأحداث القادر على توجيهها نحو الغاية التي يريد وبأقل التكاليف.
ونحن اليوم في هذه الحالة، ينبغي ألا نَمنع بلدنا من فرصة مازالت سانحة إلى حين…