باحثون فرنسيون يحذرون من انفجار كبير بسبب جرائم العنصرية
أغرت الأحداث التي أعقبت مقتل الشاب الفرنسي ذي الأصول الجزائرية “نائل”، بسلاح ناري على يد شرطي فرنسي، علماء الاجتماع الغوص في أعماق الظاهرة الاجتماعية، ولاسيما حالة سكان الضواحي في المدن الفرنسية الكبرى، الذين يشكلون مجتمعا موازيا مشكلا من المهاجرين، لمجتمع آخر مشكل من الفرنسيين من أصول فرنسية.
هذا المعطى كان محل مساهمة من قبل الباحث الفرنسي في العلوم الاجتماعية، هشام بن عيسى، الباحث في “المركز الوطني (الفرنسي) للبحوث العلمية”، في جريدة “لوموند”، تمحورت حول مسؤولية الدولة الفرنسية في معالجة أخطائها التاريخية الموروثة منذ الحقبة الاستعمارية بحق فريق من أبنائها، لا يزالون يعانون من ممارسات يفترض أنها انتهت وولت منذ انتهاء موجة التحرر التي أتت على المستعمرات الفرنسية خاصة.
وفي المقال يؤكد هشام بن عيسى أن توقف الاحتجاجات التي جاءت ردا على التصفية الجسدية للشاب “نائل”، من قبل شخص يمثل هيئة دستورية يفترض أنه يحمي القانون، لا يعني أن الأمور عادت إلى نصابها، موضحا أن بذور العودة إلى مربع البداية لا تزال كامنة تحت رماد الحرائق التي ألهبت العديد من المدن الفرنسية.
يقول الباحث في “المركز الوطني (الفرنسي) للبحوث العلمية” إنه “من العبث الاعتقاد بأن الهدوء عاد بعد أعمال الشغب في الضواحي”، ويضيف: “الغضب سوف يتجلى ما دامت مؤسساتنا لا تنظر إلى ماضينا الاستعماري في مواجهة الحقيقة التي أصبحت اجتماعية وتاريخية”.
وينطلق عالم الاجتماع الفرنسي في التحليل السوسيولوجي لتداعيات جريمة مقتل الشاب “نائل”، من مجموعة من المعطيات شهدتها المدن الفرنسية في الفترة الممتدة ما بين عامي 1970 و1997، وهي الفترة التي شهدت 731 حادثة يمكن وصفها بالعنصرية، أي بمعدل 27 حالة في السنة، كان غالبية ضحاياها من الفرنسيين من أصول غير فرنسية، عرب أو أفارقة.
ويعود الباحث إلى فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر، وبالضبط إلى مظاهرات 17 أكتوبر 1961، التي شهدت قمعا وحشيا للمتظاهرين الجزائريين في باريس، والتي خلفت مقتل العشرات وهناك من يرفعها إلى مئات من الضحايا، غالبيتهم قضوا غرقا في نهر السين بعد تكبيلهم ورميهم بشكل وحشي من قبل الشرطة الفرنسية بقيادة المجرم موريس بابون.
تلك المجزرة وقعت قبل استقلال الجزائر بسنة، وكان يفترض أن تتوقف مثل هذه الجرائم الفرنسية بعد الاستقلال، غير أن تلك الممارسات الخارجة عن القانون، استمرت بشكل ممنهج، ففي عام 1973 تمت تصفية رعية من أصول جزائرية في مدينة مرسيليا بجنوب فرنسا، بعدة رصاصات في جسده على يد العميد كانتو. كما كانت المدينة ذاتها في تلك السنة أيضا مسرحا لإرهاب عنصري أعمى، راح ضحيته 17 جزائريًا في ظل لامبالاة من قبل الشرطة والعدالة، فيما وصلت الجرائم إلى خمسين حالة عنصرية ضد رعايا مغاربة في جميع أنحاء فرنسا.
وعلى الرغم من أن الجرائم العنصرية لم تتوقف وكان آخر ضحاياها الشاب “نائل”، وساهمت في تعرية الفظائع المتفشية داخل مؤسسة الشرطة الفرنسية التي باتت في قبضة اليمين المتطرف، استنادا إلى قراءة حديثة أجرت على توجهات عناصرها الانتخابية، إلا أن الحكومات الفرنسية المتعاقبة لم تتمكن معالجة هذه الظاهرة، واقتصر دورها على مواجهة تداعياتها، من قبل قمع الاحتجاجات التي تنفجر من حين لآخر عند استهداف حياة رعية فرنسي من أصول مهاجرة.
ويخلص الباحث في مساهمته بصحيفة “لوموند” إلى القول بأن من يعتقد أن “الحريق قد أُخمد وبأنه يمكننا العودة بهدوء إلى أعمالنا، فهو واهم”، وفي ذلك تحذير للسلطات في باريس مفاده أن المجتمع الفرنسي مقبل على حوادث مشابهة قد تكون أخطر، إذا لم تنجح في معالجة العنصرية من جذورها.