-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بارك الله الشاشات!

بارك الله الشاشات!

تشير استطلاعات الرأي والحراك العالمي الذي أعقب عملية “طوفان الأقصى”، جراء عمليات إبادة المدنيين في غزة بشكل همجي غير مسبوق، إلى تغيرات عميقة طرأت على نظرة الشعوب والحكومات إلى الكيان الصهيوني، بسبب “أعلَمَة” الحرب المستمرة منذ 22 شهرا، وتدفق صور القتل والإجرام المتلفز الذي فضح حقيقة هذا الكيان.

ولِمَن يقلل من شأن انهيار السردية الصهيونية وأهمية خسارة الكيان لمعركة الرأي العامّ العالمي، فليرجع فقط إلى ما قبل السابع من أكتوبر المجيد 2023، فترة زمنية لم يكن فيها صوتٌ واحد ينتقد الكيان، ولو همسا، أو يعتقد بأن هذا المسخ هو وحشٌ لاحم لا ينتمي للآدمية.

كانت سرديته المبنية على الدعاية والمستحوذة على كل مسارب المعلومات والأخبار في العالم، تصوِّره حملا وديعا، يعيش داخل دوحة ديمقراطية غنّاء، لكنه منعزل وسط موج هادر من الهمج الذين يطوِّقونه ويريدون إفناء اليهود المساكين الذين تعرّضوا لكل أشكال الظلم والإبادة، عن بكرة أبيهم؛ لكن عاملا واحدا ساهم في تغيير كل شيء، هو طول فترة الحرب بخلاف الحروب السابقة، فقد كشفت هذه الفترة عن وجه الكيان الحقيقي وحجم إجرامه الذي كان مضمرا، وعن كِبره وشهية القتل العالية لديه؛ واستفاق العالم أخيرا، على حقيقة أخرى مدفونة تحت أكوام من الأكاذيب والتضليل والدعاية، وفتح عينيه على الضحية الحقيقية، التي تكابد إجراما صهيونيا منذ عقود طويلة في صمت مطبق، ما جعل هذا الكيان منبوذا عالميا وملاحَقا في أصقاع شتى من العالم، جزاء وفاقا بما يقترفه من مجازر مروِّعة وغير مسبوقة بحقِّ أهل غزة والشعب الفلسطيني عامة، فمن كان يتوقع بأنه سيأتي يومٌ مشهود، تخرج فيه مظاهراتٌ حاشدة في أوروبا وأمريكا ترتفع فيها عقيرة شعوبها بالصياح والهتاف، منددة بهذا الكيان وبالإبادة التي يرتكبها دون أي وازع قانوني و أخلاقي؟ ومن كان يتوقع أن الإعلاميين والمشاهير والمواطنين العاديين في الغرب، سيخرجون يوما على الملأ وعلى الشاشات، لينتقدوا همجية الكيان وتوحُّشه، ويهاجمونه بحدّة غير معتادة من قبل، وفوق ذلك، يعلنون عن استفاقتهم من حالة التخدير التي كانوا عليها سابقا، ويتحلّلون جذريًّا من دعمهم للكيان ومناصرته، بعد أن ذاب الثلج وبان المرج.

من المؤكد أن هذا الجيل لن ينسى كل ذلك الخذلان والنكران والخيانة التي أبدتها نظمٌ سياسية وظيفية عربية، أتقنت فنون الخيانة والتآمر لتجويع أهل غزة المرابطين وإفنائهم، من دون أن يرِفّ لها جفن أو يتململ فيها ضمير، من أجل رئاسة أو مُلك أو إمارة، تبقى محصورة في السلالات الحاكمة، وتظل على صدر الأمة كالجاثوم، تعيق أي استفاقة أو أي تغيير نوعي في مسارها يؤدي إلى نهضة حقيقية.

كتب “دودي كوجان” في صحيفة “إسرائيل اليوم”: (أظهر استطلاع أجرِي على عيِّنة من الإسرائيليين، كم هو خطيرٌ وضع صورة إسرائيل في غرب أوروبا، ففي كل الدول ما نسبته 13 إلى 21% فقط من الجمهور ينظرون إليها بإيجابية، في حين أنّ 63 إلى 70% لهم رأي سلبي حيالها، وهو ما يعني أنه حتى بين المعتدلين تتبلور انعطافة عميقة).

وإن كنت شخصيًّا أرجِّح أن نسبة الجمهور الذي ينظر إلى الكيان بإيجابية، هي أقلّ بكثير من النِّسبة التي أوردتها الصحيفة الصهيونية، وهذا لأن الكذب وتزييف الحقائق متأصّل في طبيعة اليهود، وهو منهج حياة لدى هؤلاء، لذلك، فقد لا تتجاوز النسبة الحقيقية حدود 5%، كما قال عالم السياسة الأمريكي الأشهر حاليا “جون ميرشايمر” خلال العام الأول للحرب.

لكن ماذا يعني تغير صورة إسرائيل عالميا وتغير نظرة الشعوب إليها، بخلاف ما كان سابقا؟ هذا السؤال يجيب عنه “جلعاد أردان”، سفير سابق للكيان في أمريكا والأمم المتحدة، ويشغل حاليا رئيس مركز الدبلوماسية في معهد “مسغاف”، الذي كتب مقالا في الجريدة ذاتها، نقله الصحفي الفلسطيني ياسر الزعاترة، ذكر فيه ما يلي: (يدرك أعداؤنا أنهم لن يتمكّنوا من هزيمة جيش الدفاع الإسرائيلي في ساحة المعركة، ولذلك يحاولون تقييده من خلال حملة توعية. قد تؤدّي حملات نزع الشرعية إلى حظر أسلحة، وعقوبات اقتصادية، وعزلة دولية في المستقبل. بمعنى آخر: حتى عشرات طائرات” أف-35 ” لن تُجدي نفعا إذا أجبرَنا العالم على عدم استخدامها)، مردفا بالقول: (يُظهر التاريخ الدولي أن قوة السرد قد تعادل قوة الدبابات، لم يسقط نظامُ الفصل العنصري في جنوب إفريقيا نتيجةً لضغوط داخلية فقط، بل كنتيجة رئيسية لحملة عالمية صوّرت البلاد على أنها غير شرعية، ما أدّى إلى فرض عقوبات قاسية قيّدت حركتها، كما وجدت صربيا نفسها معزولةً على الساحة الدولية في تسعينيات القرن الماضي، عندما خلقت رواية جرائم الحرب واقعا سياسيا وعسكريا جديدا، من يتجاهل قوة الوعي قد يجد نفسه خاسرا حتى قبل أن تبدأ المعركة، من يظن أن الحرب لا تُكسَب إلا بالدبابات والطائرات فهو مخطئ، ففي القرن الحادي والعشرين، تُكسَب الحرب أيضا عبر الشاشات).

إن طوفان 7 أكتوبر كان وسيبقى حدثا جيليًّا بسبب تأثيراته وتموُّجاته التي ستمتدّ في الزمن والجغرافيا، وسيُحفر عميقا في ذاكرة جيل أو أجيال كاملة، فيذكّرها دائما بتضحيات ومآثر وشجاعة وعبقرية الجيل/ السلف الذي صنع هذا الحدث وعمل على بزوغه؛ ويُذكّره أيضا ببشاعة ووحشية العدو الذي واجهوه ببسالة عَزَّ نظيرها؛ ومن المؤكد أن هذا الجيل لن ينسى كل ذلك الخذلان والنكران والخيانة التي أبدتها نظمٌ سياسية وظيفية عربية، أتقنت فنون الخيانة والتآمر لتجويع أهل غزة المرابطين وإفنائهم، من دون أن يرِفّ لها جفن أو يتململ فيها ضمير، من أجل رئاسة أو مُلك أو إمارة، تبقى محصورة في السلالات الحاكمة، وتظل على صدر الأمة كالجاثوم، تعيق أي استفاقة أو أي تغيير نوعي في مسارها يؤدي إلى نهضة حقيقية.

المؤكد أنه لا يمكن لأي قوة على الأرض أن تهزم رجالا بشَّرهُم نبيُّهم بالنصر وقهرِ عدوُّهِم، ولو استمرت الحرب أكثر من 100 سنة، لأن هذا القدر سطره الله ودَبَّره، فمن ذا الذي يمكنه تحدي الإرادة الإلهية؟ هذه هي الحقيقة الماثلة أمامنا في غزة، ولا يمكن أن نحيد عن التفسير الديني لكل هذا الصمود والبطولة والشجاعة التي يبديها شباب ورجال جوعى، ينطلقون من تحت الأرض فيثخنون في جيش يملك أعتى المدرَّعات والآليات والتحصينات، ومتعاضد تقنيا واستخباريا مع أقوى الدول في العالم، أما قصف المدنيين من الأطفال والنساء وقتلهم وتهجيرهم وتجويعهم بتلك الطريقة الشنيعة والمتوِّحشة، فهو سلوك البرابرة والمجرمين وأراذل البشر على مرِّ التاريخ، ولا أعتقد أنه يوجد في التاريخ الإنساني وتاريخ الصراع على الأرض، من هو أحقر وأجرم وأجبن من الكيان الصهيوني.

إن العرب في حروبهم القصيرة مع الكيان منذ 1948، هُزموا وكُبكبوا في قعر النكسة والمذلة، لأن الباعث الأول للقتال كان نابعا من إيديولوجيا قومية يقودها زعماء أكثرهم تحرِّكهم شهوة الشهرة والعظمة والمجد، أما في حرب رجال “البشرى النبوية” مع هذا الكيان، فالباعث عقيدة نقية تأنف الظلم، ورجال تواقون لإحدى الحسنيين؛ النصر أو الشهادة، لا تغريهم ألقابٌ ولا أوسمة، ولا يأسر ألبابهم أي “ترميز ميثولوجي” بسبب بطولاتهم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!