“باطوارات” لتوليد النساء مقابل الملايين
أضحى موضوع الأسعار الخيالية والخدمات المتدنية في الكثير من العيادات الخاصة مصدر إزعاج لجل المرضى، بين من وجدوا أنفسهم مجبرين على دخول أبوابها هربا من شبح المستشفيات العمومية، لكنهم سرعان ما يصدمون بأن ما هو متوفر بالعيادات الخاصة ليس أقل سوءا من جحيم المستشفى لكن بمصاريف باهظة.
أصبحت أغلب نشاطات العيادات الخاصة تتهافت على اختصاص توليد النساء لما أصبحت تدره من أموال لأصحابها، حيث تقدر ثمن عملية ولادة عادية ما بين 45 ألف دينار و55 ألف دينار، تمكث فيها المرأة الحاملة الواضعة لجنينها مدة أقصاها 48 ساعة، يجبر فيها الوالد على دفع مبلغ 2000 دينار.
التوليد بـ 82 ألف دينار.. وعمليات قيصرية دون الحاجة إليها
الوجبات التي تقدم للمرأة وجبات عادية لا تختلف في غالب العيادات عما يقدم في باقي المستشفيات، الفرق الوحيد ربما أنه بالعيادة الخاصة يقدم بطريقة منظمة يخيل للمريضة أنه أحسن بكثير مما يقدم بالمستشفى العمومي، لكن مكوناته لا تختلف عن طبخة بالخضار وبعض قطع اللحم المجمد.
ويفوق مبلغ 85 ألف دينار في بعض العيادات، وتغادر المريضة بعد يومين من مكوثها بالرغم من متاعب العملية القيصرية تحتاج إلى أسبوع للراحة، ودون متابعة مستمرة لحالتها الصحية، حيث تضطر حتى لدفع ثمن تغيير ضمادات العملية الجراحية.
وتكشف الشواهد الحية أن المريضة داخل العيادة الخاصة تجد نفسها رفقة أربع مريضات داخل غرفة واحدة، وقد يعجل في رحيلها في حال وجود نساء حوامل جئن للولادة.
ممثلة اتحاد القابلات: لهذا نفضل العيادات الخاصة على المستشفيات
في الموضوع، كشف البروفيسور خياطي رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة، في تصريح له لـ”الشروق” أن موضوع العيادات الخاصة أصبح قضية تجارية بحتة، ولم يعد تضبطها ضوابط صحية، مشيرا إلى ضرورة تدخل الدولة بواسطة وزارة الصحة لفرض رقابتها على هذا القطاع الحساس.
وقال خياطي إن الأسعار في العيادات الخاصة فاقت ما هو معمول ومتفق عليه، في ظل صمت السلطات الوصية التي لم تضبط أسعار المنظومة الصحية منذ أكثر من ربع قرن، وهو ما جعل أرباب العيادات الخاصة يُحكمون قبضتهم بأسعار خيالية، في غير متناول الجزائريين.
ووصف خياطي الوضع داخل العيادات الخاصة بالكارثي، كونه لا يستند إلى معايير الصحة العالمية، فالمواطن يتلقى خدمات رديئة ووجبات عادية وتسلم له فواتير خمس نجوم، فمن حق المواطن المريض بالعيادات الخاصة أن يطلب غرفة فردية، لكنه يجد نفسه في آخر المطاف يشارك أربعة مرضى نفس الغرفة، ناهيك عن الوجبات المقدمة التي لا فرق بينها وبين ما يقدم بالمستشفيات الجزائرية.
قال خياطي إنه من غير المعقول أن يصل ثمن عملية توليد بالعيادة الخاصة إلى مبلغ 50 ألف في عملية وضع عادية لا تشكل أي خطر، والغريب أن المرأة الوالدة تخرج بعد 24 ساعة، دون متابعة صحية لها فيما بعد.
الأخصائيون..على الوزارة التدخل لمراقبة العيادات الخاصة
من جهة أخرى، قال الطبيب والأخصائي في أمراض النساء والتوليد الدكتور سفيان بوسفير عضو في نقابة الأطباء الأخصائيين، إن الوضع في العيادات الخاصة لا تحكمه أي معايير، وأن وزارة الصحة بمجرد منحها رخصة مزاولة النشاط لأصحاب العيادات الخاصة تنسحب نهائيا ولا تمارس دورها في الرقابة، كاشفا أن أغلب مديري العيادات الخاصة لا علاقة لهم بمهنة الطب، فهم في الغالب “تجار أعمال” وجدوا في المهنة مصدرا للربح، داعيا وزارة الصحة للتحقيق في الأمر، إذ أن أغلب هؤلاء التجار يمضون عقدا بينهم وبين طبيب ليمسك لهم العيادة، ويشتغل هذا الطبيب كمسير لهذا التاجر، وهو ما يجعل الأمر تجاريا لا علاقة له بمهنة الطب، وفسر محدثنا ما يحدث في العيادات الخاصة من فوضى سببها دخلاء عملاء على قطاع الصحة لوثوا المهنة النبيلة.
وفي تعليق له عن إمضاء الأطباء الخاصين بأمراض النساء والتوليد لاتفاقيات بينهم وبين العيادات الخاصة لجلب الحوامل وتوجيههم نحو العيادات الخاصة، تحت إشرافهم، اعترف محدثنا بهذا الواقع، لكنه أكد أنه يتم تحت رضا المرأة الحامل التي لا تمانع بوضع جنينها في عيادة خاصة بمبلغ تصل إلى80 ألف دينار، بعد إعلامها من قبل الطبيب وذلك هروبا من الوضع المزري في أغلب المستشفيات، إذ تجد المرأة الحامل بالمستشفى مرمية على سرير تتقاسمه ومريضة أخرى.
وصرحت القابلة مريم بوعريف ممثلة عن اتحاد القابلات، أنهم يمارسون مهنتهم بكل أمانة، سواء تعلق الأمر بالقطاع العام أو الخاص لكن أغلب القابلات يفضلن العيادات الخاصة بسبب الرواتب المغرية التي تمنحها، وبسبب أيضا نظام العمل الذي يحسب بساعات المداومة وهو غير الموجود بالمستشفيات، حيث بإمكان قابلة أن تقبض أجرتها بعد توليدها لخمس أو ست نساء.
لكن في القطاع العام فرغم الكم الهائل من نسبة النساء في أقسام التوليد، فتظل المرأة القابلة تنتظر أجرتها دون أخذها لمنح العدوى والخطر، وتظل أول من يتابع قضائيا في حال وجود أي خطأ، لكن بالعيادات الخاصة يبقى صاحب العيادة هو المسؤول.
كما أكد رئيس عمادة الأطباء الجزائريين، بقات بركان، أن هناك عدة أسباب ساعدت على تضاعف عدد العمليات القيصرية في السنوات الأخيرة، سواء من جهة النساء الحوامل اللواتي أصبحن يفضلن التدخل الجراحي على الولادة الطبيعية حتى لا يعانين آلام المخاض أو تفضيل الطبيب إجراء عملية قيصرية لمريضته خوفا من أي مخاطر على صحة المرأة والجنين.
مؤشرات وأرقام
100 ألف ولادة قيصرية سنويا من أصل 350 ألف، بنسبة تصل إلى 30 بالمائة
امرأة من بين 3 نساء حوامل تلد قيصريا
نسبة العمليات القيصرية في الستينيات كانت تقدر بـ 5 بالمئة فقط