باندية “هوت كلاس”!
إلى أن يثبت العكس، لم تنجح بعد الطبقة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في تحجيم خسائر الفساد، مثلما فشلت في وقف عمليات تفريخ ورعاية وتسمين المفسدين، والخطير في الأمر، أن النهب والتزوير وإبرام الصفقات المشبوهة والغشّ والتدليس، انتقل من مرحلة “الاضطرار” إلى مرحلة ممارسة الفساد بطرق “الهوت كلاس” وهذه هي الطامة الكبرى!
السرقة والتطفيف في الميزان والطراباندو، لم يعد ظاهرة مختزلة في الأسواق فقط، مثلما كان مشاعا، وإنـّما العدوى تحوّلت إلى وباء وزحفت باتجاه البنوك والشركات العمومية والإدارات والبلديات وغيرها من الفضاءات التي من المفروض أنها آمنة وفي مأمن عن فيروس “حاميها حراميها”!
إذا كان قتلة الأطفال وخاطفوهم ومغتصبوهم، يستحقون القصاص مثلما يُطالب به المجتمع وعائلات الضحايا، فإن المفسدين في الأرض بالمخدرات والنهب و”الرشوة” وتعرض البلاد والعباد إلى مخاطر اللا استقرار، هم أيضا قد يستحقون القصاص حتى يتوقف النزيف الحّاد!
هل يُعقل أن يسرق أحدهم 3200 مليار، وآخر يقبض رشوة بـ250 مليون دولار، وآخر يتقاضى أجرا بـ14 مليونا دون أن يعمل، وآخر يتلقى سيارات فخمة نظير امتياز غير مستحق؟
..هذه بعض النماذج التي نشرت التحقيقات غسيلها على مشجب فضائح فساد تحوّل إلى خطر على النظام العام، وخطر على الخزينة العمومية، وخطر على الأمن والاستقرار، وخطر على تماسك المجتمع ووحدته ورغبته في التغيير بالطرق السلمية وبالتي هي أحسن!
عندما يصبح الفساد شبهة وتهمة تذوب من الفوق إلى التحت، فمن الضروري التحرّك العاجل، حتى لا يلبس الفساد برنوس العادة أو الموضة أو التقليد الذي يتنافس عليه الصغار والكبار في طابور المفسدين!
الفساد ليس بالضرورة “تيكات” تـُلصق فقط في ظهر من يسرق أو يقبض “تشيبا”، وإنـّما الفساد تعدّد وتجدّد والأخطر من ذلك، أنه لا يريد أن يتبدّد، وهذه مصيبتنا التي علينا أن نقول بشأنها: اللهمّ لا نسألك ردّ القضاء وإنما نسألك اللطف فيه.
البيروقراطية التي كرّهت الزوالية هي فساد، العراقيل الإدارية التي يئـّست وهرّبت المستثمرين هي فساد، “الحڤرة” التي أحبطت المواطنين هي أيضا فساد، تنافس سوء التسيير مع تسيير السوء هو فساد، عدم تطبيق القوانين أو التعسّف في تطبيقها هو فساد، عدم الاستماع لانشغالات المواطنين بالوزارات والولايات والدوائر والبلديات هو فساد، تمثيل البرلمان على الشعب بدل تمثيله هو كذلك فساد في فساد!
لقد نجح الفساد في غزو الذهنيات والعقليات، وأحكم قبضته على الأخلاق والعادات والتقاليد وتعاليم الدين، ولذلك توسّعت دائرة “الباندية” والمفسدين، والخطير أن الجميع بما يُفسدون فرحون، وأضحى المُفسد والفاسد في نظر ضعاف النفوس واليائسين، بطل ونجم يجب احترامه وتكريمه والاقتداء بفساده، حتى وإن كان هذا نابعا من غريزة الخوف!
عندما ينتشر الاعتقاد السائد بأن الفساد بكلّ أشكاله، هو أقصر طريق وأنجحه للثراء والبرستيج والفخفخة وقضاء المصالح وتحصين النفوذ والتأثير، فهذا دليل آخر على أن الفساد ضرب العقول والعواطف والأخلاق والضمائر، قبل أن يضرب الجيوب والخزائن و”ملك البايلك”!