بحث متواصل عن الذات
عندما اجتمع ساركوزي والسيدة ميركل لدراسة إمكانية بعث معاهدة جديدة للإتحاد الأوروبي لجمع شمل بلدان القارة العجوز على اختلاف لغاتهم وأصولهم وحضاراتهم وأجناسهم ومذاهبهم الدينية، وإنقاذ عُملتهم الموحّدة لأجل هدف مادي في الخامس من شهر ديسمبر الميلادي، كان المسلمون يتجادلون إن كانوا يعيشون في التاسع، أم في العاشر من شهر محرم الهجري.
- وعندما اجتمع الاتحاد الأوروبي في بروكسل نهار أمس الخميس لأجل أن يُضحّي الألمان والنمساويون الشماليون البروتيستانت بلقمة عيشهم لأجل الإيطاليين الكاثوليك واليونانيين الأرثوذوكس الجنوبيين كانت الجامعة العربية تهضم “العظم السوري” بعُسر بين أن تبتلع العقوبات التي أقرّتها ضد سوريا، أم تردّها، بعد أن نسيت أو تناست نهائيا أحوال ليبيا التي طًويت صفحتها، وكأن ليبيا قد حققت كل أهدافها منذ أن احتفلت، واحتفلت معها الدول المشكلة للناتو بمقتل الزعيم السابق معمر القذافي.
هذه الصورة الكاريكاتورية لأمة ما صارت تدري من هي؟ وأين هي؟ ولماذا هي؟ جعلت ربيع الثورات العربية الذي بدأ كالحلم الجميل بصيحة البوعزيزي وملحمة ميدان التحرير وهروب بن علي وانسحاب مبارك، يتحوّل إلى هاجس مخيف في أن تتبعثر خارطة كل بلد، وتصبح صورة العراق الممزق الذي لم يهنأ بالطمأنينة منذ حوالي تسع سنوات متكررة في كل البلدان.
في أوروبا الشرقية عندما اندلع ربيعها البيريسترويكي وتحطمت أصنامها الديكتاتورية دخلت جميعها في الصف الأوروبي أفواجا، ففتحت حدودها التي كانت مصبوغة بالأحمر الشيوعي المانع لمرور الآخر، وذوّبت عملتها الاشتراكية، وهي تفكر منذ أول أمس الخميس وأمس الجمعة رفقة كل الدول الأوروبية لمعالجة إقتصاد القارة المريض، في الوقت الذي باشرت ليبيا منذ أن أزاحت ديكتاتورها في البحث عن صيغة لتلغيم حدودها مع جيرانها بالتأشيرات وقطع الأوردة الدموية التي تسري في جسد المغرب العربي الواحد.
الأوروبيون يُصرّون على معالجة الحمى اليونانية حتى لا تصل عدواها إلى إيطاليا، وتصبح المُسكّنات دون جدوى، وبعد أن اجتمعوا في ألمانيا ولم تنفع وصفتهم الاقتصادية عادوا بوصفة جديدة في بلجيكا، بينما يتواصل الاهتمام العربي بالورم السوري، وقد تجاهلوا الورم الذي أصاب فلسطين والسودان والعراق واليمن إلى درجة أصبحت فيه الحالة أشبه بالميئوس منها، ولا نفهم لحد الآن لماذا تشارك العراق واليمن والسودان في البحث عن حل في سوريا وحالتها أسوأ من حالة سوريا، ونخشى أن يسقط ديكتاتور سوريا فتتحول إلى عراق ثانية ويقودها من قدّموا وعودا للغرب بأن يكونوا رهن إشارتهم في بلد محوري لا يستعمره حزب البعث فقط وإنما أيضا إسرائيل.
كل اجتماع في العالم يتطلب تاريخا محددا ومكانا معينا وموضوعا مطروحا للدراسة وهدفا يسعى لأجله المجتمعون، وتاريخ اجتماع الإتحاد الأوروبي هو الخميس والجمعة الثامن والتاسع من ديسمبر والمكان هو بروكسل العاصمة البلجيكية والموضوع هو الأزمة اليونانية وما تبعها من أزمات مالية والهدف هو إنقاذ الاقتصاد الأوروبي، ويبقى تاريخ اجتماع الجامعة العربية غير متفق عليه مع خلافات التقويم الهجري وهو ما سيجعلهم يستندون كالعادة لتاريخ الميلاد القادم من أوربا وبالمرة يستندون لرزنامة الأوروبيين، والذي لا يعلم متى هو؟ مرشح لأن يكون لا يعلم أين هو؟ و من هو؟