بحث في فائدة .. المواطنة !
أكثر من مائة حراڤ حاولوا الوصول إلى اسبانيا في ليلة واحدة، نهاية الأسبوع الماضي بوهران، وعشرات آخرين، انطلقوا من شرق البلاد نحو ايطاليا قبل أن تنقذهم تونس من الموت غرقا، الرقم يبدو مهولا، لكنه يعيد ظاهرة الهجرة السرية إلى الواجهة مرة أخرى، لكن مهلا، هل غابت حتى تعود أصلا؟ !
-
الدولة في تقاريرها الرسمية تتحدث عن ملايين الشباب الذين يسجلون في عقود ما قبل التشغيل، وفي مختلف صيغ العمل والتوظيف، وتتحدث عن نجاح مشاريع المائة محل في كل بلدية، وعن آلاف الخريجين من الجامعات ومئات الباحثين، وعن.. وعن.. لدرجة يحق فيها التساؤل، إذن من هم هؤلاء الذين يغامرون بحياتهم في البحر، ويريدون الهجرة في البوطيات، أو الزوارق نحو الفردوس المفقود في اسبانيا، أو بلد المافيا بإيطاليا؟ !
-
هل هؤلاء ليسوا جزائريين؟ هل جاءوا من دول أخرى، وباتوا معدودين علينا؟.. التقارير الأمنية الأخيرة عن محاكمة أزيد من 100 حراڤ بعين الترك في وهران، قالت أن هؤلاء الحراڤة من وهران والشلف والجزائر العاصمة، أي أنهم جزائريون، أبا عن جدّ، لكن السؤال الصحيح الذي يجب أن يطرح، هو إن كانوا مواطنين أصلا، أم مجرد أرقام في تقارير الحكومة؟ !
-
من يستمع إلى المسؤولين أيام الانتخابات، وفي الخطابات الرسمية، يقول أننا طبقنا كل تعاليم الإنسانية الحقة في المواطنين، وأن السلطات رفعت الناس إلى أعلى الدرجات، لكن المتأمل في الواقع، يلمس العكس تماما، ويجزم أن هؤلاء الهاربين، انتحارا نحو الموت الاختياري، أو هجرة نحو البحر، هم من بين المواطنين الذين لا تتوفر فيهم درجة المواطنة، ولا قيم الانتماء، ولم يشعروا يوما بالاستقلال ونعمه التي يتحدث بعض السلطويين عنها، بفخر وتباهٍ، وكأنهم أصحاب الفضل في افتكاك هذا الاستقلال، وليس الشهداء الأبرار؟!
-
رقم آخر، تبدو السلطة غير محقة فيه، وهو عدد الجزائريين المصابين بأمراض عقلية، حيث تتحدث، عن 150 ألف مريض عقلي، مقابل 1200 طبيب نفسي فقط، أليس الأمر يبدو وكأنه يتعلق بالحديث عن دولة أخرى، مثل سويسرا أو السويد؟! ألم يعد الجزائريون الزوالية، يكلمون أنفسهم في الطرقات وفي الأسواق، وعلى متن الحافلات، وفي الفراش؟! ألم تنجح الحكومات المتعاقبة في رفع أعداد المصابين بالهلوسات والمجانين، وفي مضاعفة أعداد الحراڤة والمنتحرين؟! أليس هذا هو الإنجاز الحكومي الوحيد الذي حققته السلطة منذ استرجاع السيادة الوطنية على التراب مقابل فقدها السيطرة على القرار السياسي، ومساهمتها في ضياع الإنسان؟ !