بدائل مرفوضة
بعد ثورات شعوبنا الوطنية وتسجيل انتصارات حاسمة على الاستعمار الغربي لبلداننا كان من المفترض أن نواصل الكفاح لبناء دول بمؤسسات وقوانين ودساتير في مجالات اقتصادية وثقافية وعلمية تكافئ تضحيات الشعوب العظيمة التي لم تبخل أن زودت مشاريع تحررنا بدماء سخية غزيرة عدلت في ميزان القوى المختل بيننا والعدو الغاشم.
لقد بذلنا الجهد في اكثر من مكان واستطعنا ان نؤسس لأصعدة متنوعة وجنبنا بلداننا وشعوبنا مهالك كان الاستعمار يراهن عليها، أولها الموت جوعا والتخلف الضارب أطنابه بالجهل والأمية.. في اكثر من مكان قاتلنا الأمية والفقر والمرض وانجزنا في سنوات قياسية حقائق على الأرض مهمة.. واصبحت لنا جيوش وطنية ومؤسسات وطنية وثروات تحت أيدينا نستخدمها فيما يمثل تعزيز قوة مجتمعاتنا.
صحيح ان الطريق لم تكن امامنا معبدة، فلطالما حاول المستعمرون عرقلتنا وإلقاء العصي في دواليبنا وإشاعة الفوضى والإشاعات في صفوف الشعب لنزع اليقين منه بجدوى حريته وسيادته.. وحاول المستعمرون خلق أحزاب وأفكار وسياسات حاربوا بلادنا واوطاننا بكل الوسائل ثقافيا وسياسيا وأمنيا.. وصحيح اننا لم ننجز مشاريعنا التي من شأنها تعزيز استقلالنا، لكن الذي ينبغي عدم إغفاله هو الوعي بحجم المؤامرات والعدوان علينا.
وبعد ان سارت مجتمعاتنا مسافة طويلة بعد تحررها الوطني في درب الاستقلال وتعزيزه لم يرق للاستعماريين ان صارت لنا دول ومجتمعات، حيث توالت الأجيال تحت راياتها الوطنية وثقافتها الوطنية.. ورغم اننا لم يكن لنا كثير احترام لحدود الأوطان بين بلداننا العربية والاسلامية، الا اننا كنا نؤمن ان الوحدة لا قيمة لها بين الضعفاء، وان الوحدة ستأتي حتما، لأنها حاجة اخلاقية وأمنية واقتصادية، لكن لا بد في البداية ان نوفر لها مناخاتها الصحية.
اصبحت الدولة القطرية التي لم تنل اعجابنا وجاءت على تقسيم المغرب العربي وبلاد الشام ووحدة وادي النيل.. اصبحت الدولة القطرية في مرمى الاستهداف الغربي، لأنها اقتربت من النضج والتكامل ومن الضروري ان تتعزز بتداول سلمي ومواثيق ودساتير ومؤسسات تحمي كرامة المجتمع وتماسكه..
واطلق الأمريكان والغربيون مشروعهم شرق أوسط جديد يشمل كل بلداننا.. يبعثر مكوناتها القومية والمذهبية والثقافية والجهوية ويلقي بها في أتون الصراعات الداخلية لتدمير كل ما انجزناه على كل الأصعدة والذهاب لاستنزاف ثرواتنا وامكاناتنا، ثم نفتح لهم الباب للعودة من ابواب خلفية ومباشرة كي يعالجوا اقتصادهم المتردي ويعيدوا تسيدهم على أمتنا ويحرموننا من احتمالات النهضة.
لذا، ها هم يصنعون لنا البدائل الرديئة ويقذفون بها في مجتمعاتنا بأجندات ومشاريع تخريب.. انهم يصنعون الأفكار والجماعات حولها ويروجون لها ويدخلوننا المعارك الجنونية بلا حدود.. لكن مهما فعلوا، فهي لن تكون سوى جولة وكما انتصرنا عليهم بشكل مباشر سننتصر على بدائلهم.. تولانا الله برحمته.