برّ الأمان بلا برلمان
لا مراء في أن تشكيلة البرلمان المنتهية ولايته كانت هي أسوأ تشكيلة أُخرجت للناس منذ بداية التعددية قبل ربع قرن، أسوأ حتى من تشكيلة المجلس الوطني الانتقالي الذي استقبلنا به التعددية بعد إلغاء نتائج الاستحقاق التشريعي التعددي الأول 91ـ 92، كما أنَّ أحوال بقية التشكيلات في المجالس المنتخَبة المحلية لم تكن أفضل، أو تكون قد أسهمت مثقال ذرَّة في تجسيد مبدإ تحكيم إرادة الناخبين في إدارة الشأن العام، وكان يُفترض أن تخضع لإصلاحاتٍ وتحديث في التعديلات الكثيرة التي أُدخِلت على الدستور، أو نبحث عن صيغةٍ بديلة، بما في ذلك الاستغناء عنها وحلها بقرينة الإفلاس كما نصنع بالمؤسَّسات المفلِسة.
في بحر رُبع قرن من التجربة البرلمانية، لم يكن للبرلمان بغرفتيه دورٌ يُذكر، لا في صناعة سياسة البلد أو ترشيد نشاط السلطة التنفيذية، ولا حتى بمقاييس ومواصفات المؤسَّسات الاستشارية الصرفة، فكانت الغلبة والهيمنة دائما للسلطة التنفيذية صاحبة الكلمة الأخيرة في التشريع: إعدادا وتنفيذا، ليتحوَّل البرلمان إلى غرفة تسجيل صرفة، وشاهدِ زور مفوَّه، النائب فيه محض أجير يسترزق بعهدته، لا يختلف دورُه عن دور أي عضو في المجالس الاستشارية الكثيرة التي تحوَّلت إلى مواطن لتوزيع الريع على الأهل والأصدقاء والأحبَّة من الأتباع والتابعين لهم بإحسان.
ثم إن هذه المجالس المنتخَبة المتهمة مساراتها بالتزوير، وأنشطتها بما هو أقرب إلى شهادة الزور، صارت تشكِّل عبءا سياسيا وماليا وأخلاقيا على البلد، فهي مكلفة ساعة الحمل، وساعة الوضع، وزمن الرضاعة، وحتى وقت فطامها، فالقابلة وحدها تكلف البلد قرابة ملياري دينار كما علمنا عن أجور وعلاوات أعضاء اللجنة الوطنية المستقلة المُشرفة على الانتخابات، وما كنا لنلتفت إلى هذه الريوع الصَّرفة المدفوعة لهؤلاء لو علمنا لهم مساهمة تُذكر في ترقية وترشيد إدارة الشأن العام، أو كان لهم دورٌ في النقل الأمين لمعاناة الناس وتطلعات الناخبين.
على افتراض أن نسلِّم لمن يقول بواجب منح بعض الزمن للزمن حتى تنضج التجربة وتشبّ عن الطوق، فإن مصيرنا إلى ما آلت إليه الديمقراطيات الغربية المعمِّرة لأكثر من ثلاثة قرون، ونراها اليوم تنكس في الخلق في ربوع العالم الغربي، حتى إنها لم تترك من خيار للناخب الأمريكي إلا بين هيلاري كلينتن، أو ملياردير قادر على شراء كرسي الرئاسة بماله الخالص، يباشر في الساعات الأولى من حكمه توزيع الريع على خلانه، ويجرِّد الغلابى ممن انتخبه من الحماية الصحية.
وإذا كان مدار الأمر على دور المؤسسات المنتخَبة في تطوير البلد وإعماره، فإن أنجح نظام حُكم يُضرب به المثل اليوم هو النظام الصيني الشيوعي المستبدّ، الذي لا يدّعي لنفسه ما ادَّعته الأنظمة الليبرالية الغربية من فضل للديمقراطية وللمسارات الانتخابية، ويتميَّز عنها بالصِّدق في توزيع ريع السلطة حصرا على الموالاة تماما كما تفعل الصفوة المستبِدَّة بالحكم في الغرب.
وحيث إنّ الأمر كذلك، وإنه لا فرق بين نخبةٍ مستبدَّة مجاهِرة بالاستبداد، ونخبةٍ مستبدَّة مكابِرة بمساراتها الانتخابية المزوَّرة، فما حاجتنا إلى الإنفاق زمن العسر على مؤسَّسات نعلم علم اليقين أن عُمّارها محض أعجاز نخل خاوية، وفي أحسن الأحوال محض طواحين يُسمع لها جعجعة ولا يُرى لها طحين؟!