بعد سيداو.. تراجعٌ عن “الإسلاخات”؟
بداية يجب الإشادة بتراجع الجزائر منذ أيام عن رفع تحفظاتها على بعض بنود اتفاقية سيداو؛ وهو قرارٌ حكيم يؤكّد أن السلطة قد أدركت العواقب الوخيمة التي سيجرّها رفعُ التحفظ عن هذه الاتفاقية المشبوهة على استقرار الأسرة والمجتمع، فآثرت التراجعَ عنه. ونرجو أن تثبت على ذلك وتتجاهل الهجمة التي تشنّها جمعياتُ النساء الفاشلات في تكوين أُسر على الوزيرة مونية مسلم هذه الأيام على خلفية قرار التراجع.
هذا الاتفاقية تضرب الأسرة في الصميم، وتخرّب المجتمع، وتعادي أحكام الشريعة الإسلامية بشكل صريح لا لبس فيه ولا تأويل، وكان لا بدّ من إبقاء جميع تحفظات الجزائر عليها، وهو ما فعلته السلطة ووجب التنويهُ به لأنه تراجعٌ عن خطإ فظيع كانت ستسقط فيه وتفتح به البابَ واسعاً لتغريب المجتمع ونشر الانحلال فيه باسم “حقوق المرأة”.
هذه الخطوة الصحيحة تفتح باب أمل لإمكانية أن تتخذ السلطة خطوة مماثلة نحو “الجيل الثاني للإصلاحات التربوية” وتعلن على الأقل “تجميدَه” سنة واحدة كما اقترحت 5 نقاباتِ تربية، وعرضَه للنقاش الواسع، لأن المسألة تهمّ المجتمع كله ولا يحق لنحو 130 خبير تربوي مجهول الاستئثارَ بها وإقصاء مختلف فعاليات المجتمع منها، وفي مقدِّمتها الأسرة التربوية من مفتِّشين وإطارات تربية ومعلمين وأساتذةٍ أفنوا حياتهم في التعليم ويتمتعون بخبرةٍ ميدانية كافية تمكّنهم من اقتراح الكثير لإصلاحه وتطويره…
لا أحدَ يقف ضدّ الإصلاحات التربوية، فهي ضرورية، وتحدث بشكل دوري مستمرّ في مختلف دول العالم التي تحرص على تطوير منظوماتها التربوية وعصرنتها، لكن الإصلاح الذي يتمّ بشكل سرّي غامض، وتشارك فيه وزارةُ التربية الفرنسية باعتراف الوزيرة نجاة فالو، ويركّز على لغة التعليم أكثر من المناهج والمقرّرات والكتب وطرق التدريس وتكوين الأساتذة… ويميّع العربية والتربية الإسلامية، ويمنح الاحتكار للفرنسية دون باقي اللغات الحيّة، ويُراد تطبيقُه بطريقةٍ فوقية متعالية، قسراً ودون نقاش، ودون تجريبه في بعض المدارس لمعرفة مدى صلاحيته للتطبيق في الجزائر.. “إصلاحٌ” تربوي هذه ملامحُه وصفاته هو “إصلاحٌ” مشبوه، لا يقلّ تأثيرُه المدمِّر للمجتمع عن تأثير اتفاقيات سيداو، وسيثير الإصرارُ على بداية تطبيقه في سبتمبر المقبل الكثيرَ من التوتر والاحتقان وتنامي الغليان والسخط الشعبي، ولذلك نأمل أن تقوم السلطة بتجميده، إلى غاية طرحه للنقاش والإثراء، وحبّذا لو يُبعث “المجلسُ الأعلى للتربية” من جديد، وتُسند إليه هذه المهمّة الجليلة.
لا يُعقل أن تكون جميع فعاليات المجتمع التي رفضت “الإصلاحات” التربوية المزعومة، على خطإ، وتكون بن غبريط ونفرٌ قليل من مساعديها وحدهم على صواب، هذه “الإصلاحات” المشبوهة ترفضها الأغلبية الشعبية الحريصة على عناصر هويتها، ومن الخطإ الجسيم أن تفرضها عليها السلطة، فذلك مدعاة لاستفزازها واستعدائها مجاناً، وسببٌ كاف لفشل تطبيقها، وإهدارِ سنواتٍ ثمينة أخرى من عمر البلد، وتضييعِ أجيالٍ كاملة من أبنائنا.