الرأي

بعد غزة وفنزويلا… ما سيناريوهات نهاية مجلس الأمن؟

حمدي يحظيه
  • 1022
  • 0
ح. م
مجلس الأمن الأممي.

إن الشعوب التي تحلم بالحرية، وبالكرامة تتمنى أن تكون هناك عدالة عالمية، وتتمنى أن لا تكون هناك قوى أخرى كبرى ضاغطة تفرض عليها أن تتنازل، أو تنتزع منها ثرواتها أو تحتكر منها قرارها السيادي أوترتهن قرارها السياسي، أو تتدخل في هيكلة اقتصادها أو تجعلها دولة وظيفية.

المشكلة أن هذه الشعوب التي تفكر هذا التفكير وتحلم بالعدالة ظلت تعتقد-بوعي أو بدون وعي- أن مجلس الأمن والأمم المتحدة هما فعلا القاضي والحَكم العادل، وأن القانون الدولي مقدس، وأن مَن يمس منه يجب أن يُعاقب ويطبق عليه العقاب بدقة. هذه النظرة الحالمة لعالم يسوده قانون وقضاة وعدالة هي مجرد أوتوبيا سواء كانت الشعوب التي تنشد مثل هذا العالم العادل واعية بذلك أو غير واعية.

فَهْمُ كيف يتصرف مجلس الأمن، وقانونه الداخلي وحق الفيتو الذي يتمتع به كل عضو فيه مهم جدا حتى لا تذهب بنا “اليوتوبيا” في طريق من الورود ينتهي بغابة من الأشواك. فمجلس الأمن منذ تأسيسه 1945م، تأسس على مقياس القوة وليس على أساس العدالة أو الحضارة أو التطور أو التاريخ. الدول الخمس التي تُشكله منذ سبعين سنة هي الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية بما فيها الصين التي اُعتبرت حربها على اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية جزءا من تلك الحرب، واُعتبرت نصيرا للدول الاربع الأخرى. هذا يعني أن مجلس الأمن تم إنشاؤه لخدمة مصالح الدول المنتصرة التي تشكله، وشعاره: ” اسكت عني هنا، أسكت عنك هناك”.

إن الحلم بعالم مبني على القانون الدولي والعدالة هو مجرد “أوتوبيا” أو مبالغة في الحلم بعالم فاضل. بجرد تاريخ تدخلات مجلس الأمن منذ نشأته لا يمكن العثور على قضية واحدة حلها المجلس المذكور طبقا للقانون الدولي. كل الحلول تُبنى على تفاهمات وتنازلات وتقاسم أرباح هنا وهناك.

الآن، خاصة بعد حرب غزة والإبادة التي حدثت فيها، استيقظت الشعوب التي كانت تعتقد أن مجلس الأمن هو هيئة لحفظ الأمن والسلم- مثلما يقول شعاره- على الحقيقة السافرة وهي أن المجلس هو مجرد كذبة أخرى. ولا دولة الآن في افريقيا أو في اسيا أو في امريكا اللاتينية أو حتى في اوروبا تؤمن بمجلس الأمن وبالقانون الدولي.

الغريب في الأمر أن الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن، رغم الازمات التي حدثت تاريخيا بينهم، لم يغضب أي منهم وينفض يده من المجلس ويغادره أو يعمل على إفشاله. إنهم مرتاحون لهذا الوضع الذي يدمر شعوبا ودولا أخرى. فرغم طول الحرب الباردة بين الشرق والغرب، ظل مجلس الأمن الذي يتزعمه العَدوّان اللدودان- الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي سابقا-، صامدا، يعقد جلساته ويصدر قراراته ويتصافح سفراؤه ويبتسم بعضهم لبعض.

بعد ما حدث في غزة-وربما ما قبله-بدأت الأصوات ترتفع في إفريقيا وفي أمريكا اللاتينية وفي أسيا تنادي بثلاث خيارات وهي: العدالة في مجلس الأمن أو تطبيق القانون حرفيا أو إنشاء نظام دولي جديد.
لم يعد من المقبول، مثلا، أن تظل دول قارة مثل إفريقيا أو امريكا اللاتينية وهي تشكل حوالي نصف دول العالم تحج كل عام إلى نيويورك لتشارك في مسرحية تقديم ولاء لإضفاء الشرعية على قرارات دول قوية تتصرف وفقا لمصالحها الخاصة. إن حضور القارات أو الدول المظلومة من طرف مجلس الأمن إلى الأمم المتحدة، كل سنة، يتم تفسيره أنه إجماع دولي على أهمية مجلس الأمن بينما هو في الحقيقة مسرحية لا طائل من ورائها.

متى يمكن أن يتفكك مجلس الأمن؟

مثلما قلنا سابقا، حدثت أزمات كبيرة بين أكبر بلدين في مجلس وهما الاتحاد السوفياتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية مثل ازمة صواريخ كوبا 1961م، لكن لم يحدث أي تصدع في مجلس الأمن.

هذا يعني أنه رغم الخلافات تظل هيئة مجلس الأمن هي الضامن لمصالح جميع الأعضاء، وهي الملعب المفضل لديهم.

في تقديرنا، يمكن أن تنتهي مسرحية مجلس الأمن والأمم المتحدة في واحدة من الحالات التالية:

الأولى- وهي الاقرب إلى الحدوث- هي حدوث صدام على الأرض بين مصالح الصين والولايات المتحدة الأمريكية. إذا وصل زحف الصين الاقتصادي والتجاري والمالي الصامت على الأرض في كل القارات، خاصة في إفريقيا وامريكا، إلى خط حدود مصالح الولايات المتحدة الأمريكية سينفجر مجلس الأمن.

في الحالة الثانية أن تحدث حرب عالمية ثالثة، وهو ما يفرض إنشاء نظام عالمي جديد. مثلما يقول التاريخ، بعد كل حرب عالمية يحدث نظام دولي جديد: بعد الحرب العالمية الأولى جاءت عصبة الأمم، وبعد الحرب العالمية الثانية جاءت الأمم المتحدة، وهذا يعني أنه في حالة حرب عالمية ثالثة سينشأ نظام دولي جديد.

الحالة الثالثة أن تتفاهم الدول الخمس على إجراء تعديل على نظام مجلس الأمن الحالي بحيث تضاف إليه دولتان دائمتا العضوية في المجلس، لكن بدون فيتو، واحدة من قارة أمريكا اللاتينية مثل البرازيل وواحدة من افريقيا مثل جنوب إفريقيا.

الحالة الرابعة هي كما يراها الحالمون أن تتفق روسيا والصين وتقرران الخروج من مجلس الأمن وتكوين حلف ضد الغرب، وفي هذه الحالة ستنضم دول كثيرة وازنة لهما. الحالة الخامسة هي أن تنسحب الدول التي لا تمثيل لها في مجلس الأمن من الأمم المتحدة مثل دول إفريقيا وامريكا اللاتينية، وبعض دول اسيا، لكن هذا الاحتمال مستبعد بسبب أن الكثير من هذه الدول تحصل على مساعدات من دول كبيرة في مجلس الأمن مثل مساعدات من الولايات المتحدة والصين. الحالة السادسة لها علاقة بأوروبا وآسيا.

في أوروبا توجد مشكلة كبيرة وهي أن فرنسا وبريطانيا، العضوان في المجلس، فقدتا مقومات العضوية فيه، وأصبحتا مثل فزاعتين بلا دور اقتصادي ولا تأثير سياسي لهما، وهذا يجعل المانيا تطل برأسها من القارة العجوز كمطالب بعضوية في المجلس. في اسيا توجد نفس المشكلة، وهي أن الهند تنافس الصين وروسيا وتريد مقعدا في مجلس الأمن .

من هي الدولة المرشحة لتفجير المجلس حاليّا؟

الدولة التي يمكن أن تنسحب من مجلس الأمن الآن هي الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا يعني أنها لم تعد ترى فيه مصلحة مهمة لها أو ترى أن الزحف الصيني الصامت وصل إلى حدود مصالحها. بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، تمسكت الولايات المتحدة الأمريكية بمجلس الأمن، واعتقدت إنه مع مرور الوقت سيصبح تحت سيطرتها، لكن الواقع فاجأها بسيناريو آخر.

بدأت الصين تلعب على الأرض في ملاعب أخرى اقتصادية ومالية وتكنولوجية بعيدا عن قاعات النقاش والكلام والقرارات الجامدة في نيويورك.

في 23 سبتمبر 2025م قال ترامب في اجتماعات الأمم المتحدة: ” ما هو هدف الأمم المتحدة؟ إن لدى الأمم المتحدة إمكانات هائلة… لكن كل ما يبدو أنهم يفعلونه هو كتابة رسالة شديدة اللهجة، ثم لا يتابعون تلك الرسالة أبدًا. إنها كلمات فارغة، والكلمات الفارغة لا تحلّ الحروب”.

ما حدث في غزة من إبادة وفي فنزويلا بعد خطف الولايات المتحدة الأمريكية للرئيس مادورو اعتبره الكثيرون هو القطرة التي افاضت الكأس، وهو بداية النهاية لمجلس الأمن ولكذبة القانون الدولي. الذين يتحدثون عن بداية نظام دولي جديد الآن نقول لهم أن حديثهم هو نظري فقط، وهو مجرد أمنيات ما دام أحد السيناريوهات المذكورة سابقا لم يحدث.

في حالة عدم حدوث سيناريو من هذه السيناريوهات ستظل دار ابن لقمان على حالها، ويتم اختطاف أكثر من مادورو، ويتم احتلال أكثر من دولة، وتُباد أكثر من غزة ولا يتكلم أحد.

مقالات ذات صلة