بكالوريا ثانية.. قرار ينبغي التراجع عنه
بكل المقاييس، يُعد قرار إجراء دور ثانية للبكالوريا للمقصيين بسبب التأخر عن الحضور قرارا مضرا بمبدأ أساسي تريد المدرسة الجزائرية والمجتمع الجزائري استعادته، هو الانضباط في كافة المجالات وكافة القطاعات. صحيح نحن غير منضبطين في العمل وفي احترام الوقت وفي آجال الإنجاز وفي دفع مستحقاتنا للخزينة العمومية وللضرائب، ولكن أن يصل ذلك إلى قطاع حساس مثل التربية فذلك يعني أنه لا نية لنا في منع حدوث هذا الانضباط مستقبلا، وهنا تكمن خطورة مثل هذا القرار.
التعامل مع قطاع التربية، حيث توجد عقول المستقبل وحيث نسعى لتصحيح أخطاء اليوم، ينبغي ألا يتم بنفس الطريقة مع قطاعات مثل الفلاحة أو السكن أو الضرائب أو التجارة أو الشؤون الاجتماعية، ذلك أنه إذا كان بإمكاننا ان نعفي الفلاحين المتأخرين من دفع مستحقاتهم من القروض الفلاحية بقرار سياسي نعاقب من خلاله الذين شرعوا في الدفع وانضبطوا بالآجال المُحدَّدة قانونا، وإذا كان بإمكاننا أن نقوم بالمثل بالنسبة للمتهربين من دفع الضرائب ونعاقب أولئك الملتزمين بالقانون، ونفس الشيء بالنسبة لكل غير المنضبطين في معاملاتهم وسلوكهم ممن نعفى عليهم بقرارات، فإنه لا يحق لنا أن ننقل هذه الممارسة الخاطئة لقطاع التربية مهما كانت المبررات والأسباب، ذلك أنها تنسف كل أمل لدينا في الإصلاح ليس فقط بالنسبة لهذا الجيل ولهذا القطاع إنما لكافة الأجيال القادمة والقطاعات الأخرى.
صحيح، هناك بعض الأبناء ممن عاكستهم الظروف ولم يتمكنوا من الحضور في الوقت يوم الامتحان وينبغي أن نتأسف لذلك ونقف إلى جانبهم ونواسيهم ونرعاهم نفسيا، ولكن لا يعقل أن كل مَن تخلَّف هم من المجتهدين والراغبين في الدراسة وعاكستهم الظروف، بل العكس هو الصحيح.. وبهذه الكيفية سنكافئ الكسول على كسله ونعاقب المجد من أبنائنا وبناتنا ممن تجشموا عناء إجراء الامتحانات في عز الصيام. أليس في مثل هذا القرار ظلما لهم؟
فضلا عن هذا فإننا بهذه الطريقة نكون قد عاقبنا رؤساء المراكز المنضبطين ممن طبقوا القانون، وفتحنا المجال واسعا في السنوات القادمة لكل من تُسوِّل له نفسه القيام بما يريد حتى بعد ساعة من إجراء الامتحان. ومَن يمنع سرقة ساعة إذا سمحنا بسرقة دقيقة. ومن يمنع أن يتأخر آخرون في الدورة الاستثنائية المزمع القيام بها؟
يبدو لي أن سر نجاح الأمم الأول ليس في التعليم فحسب، بل في كل المجالات، هو الانضباط، وإذا ما فقدت أمة هذه القيمة المرتبطة باحترام الوقت فقدت كل أمل في التطور، وعلى حكومتنا أن تراجع هذا القرار مهما كانت تداعيات ذلك، لأن مخاطره كثيرة على كافة القطاعات وعلى كافة المستويات، وإذا ما تم تكريسه هذه السنة فإننا لن نستطيع غدا أن نلوم طالبا في الجامعة ولا مسؤولا ولا شركة ولا وزيرا ولا حكومة ولا برلمانا ولا أي مؤسسة أخرى على عدم الانضباط، وفي ذلك مؤشر على الفلتان والتسيب لسنا في حاجة إليهما.