بلا مزايدات.. لنخدم بلدنا
في الوقت الذي تعرف فيه بلادنا صعوبات مالية جمة، وفي الوقت الذي أصبحنا في حاجة إلى مزيد من اليقظة قبل فوات الأوان، وعلى كافة المستويات.. بدأت الكثير من الأصوات تتعالى لتبدو في ثوب مالك الحقيقة، نظيف اليدين، “الرجل” الوحيد الذي يمثل الشعب أو “المرأة الوحيدة” التي بإمكانها الدفاع عنه.. الرجل الوحيد النقي، الشجاع، الصادح بالحق، الواقف على الأرض الصلبة، أو المرأة الوحيدة المدافعة عن الفقراء والمحتاجين والخائفة على مصير ما بقي من مؤسسات الدولة… بدل أن يقف الجميع اليوم اعتذارا للجميع، ولبعضهم البعض، وتصحيحا للأخطاء التي ارتكبت، بدل أن تتم مخاطبة الناس بما يمكن أن تَقبله عقولهم، يستمر الكثير في الضحك على الأذقان وكأن هناك في البلاد مَن مازال لا يعرف حقائق الأمور، مَن كان مع مَن، ومَن كان ضد مَن، ومَن خدم مَن، ومَن كان سيدا على الجميع…
كل ما حدث في الجزائر أو يحدث اليوم، لم يعد خافيا على أحد. والكل يعرف درجة مسؤولية الكل، ومدى نقاء أو وساخة هؤلاء أو هؤلاء، شجاعة أو جبن هؤلاء، وفاء أو خيانة هؤلاء.. ظلم أو مظلومية هؤلاء.. الكل يعرف الكل، وجميعنا نعرف الحقيقة، واليوم ليس يوم مزايدات أو محاولة إضفاء مزيد من المساحيق لتشويه هذا أو تزيين ذاك.. لا أظن أن هناك من لا يعرف حقيقة ما يجري، وحقيقة مَن يكون، أو حقيقة ما حدث، وأحيانا حقيقة ما سيحدث…
فما الدَّاعي إلى المزايدات؟ وما الدَّاعي إلى مزيد مِن محاولة خداع الذات؟ واقعنا نعرفه جميعا، وعلينا بدل محاولة التغاضي عنه، أن نقف عنده ونسعى إلى تغييره بما يُمكِّنُنَا من أن نستبق الأحداث ونكون أفضل مِمَّا كنا.
نحن اليوم في حاجةٍ إلى التفكير في علاج الأمراض التي نعرفها. في حاجة إلى أن نعمل على إقامة عدالة حقيقية في المجتمع، منظومة تربوية غير منفصلة عن الواقع، حركية اقتصادية اجتماعية صحية حقيقية تعيد الأمل للناس، وديناميكية ثقافية تمكننا من تحقيق التماسك الاجتماعي المطلوب. نحن في حاجة إلى أن نعمل من أجل بناء شرعية حقيقية على كافة المستويات، ومن أجل سوغ مشروع مستقبلي حقيقي للبلاد.. أبدا لسنا في حاجة لكي نُتابع هذا التنابز بالألقاب، وهذه المحاولات الاستعراضية لبروز البعض في شكل البطل الذي لا يُقهر.. نحن في حاجة إلى أن نكون كما نحن جزائريين بكافة عيوبنا ومحاسننا.. بلا مزايدات من أحد.. تلك هي متطلبات المرحلة إن أردنا أن نستبق الأزمات ونصنع المستقبل الذي نريد.