الرأي

بلدان وشعوب الغد

نور الدين بوكروح
  • 3396
  • 0

وجدت الأوطان من خلال بحث الإنسان عن مأوى يحميه من الحيوانات الضارية، ويقيه من سوء الأحوال الجوية، وشر تقلبات الزمان، أو من احتكار الأراضي الخصبة، أو من سطوة قوة أو هيأة دولية كالقرار الشهير رقم 181 لجمعية الأمم المتحدة القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين. الإسرائيليون لا يريدون إرجاع الأراضي المحتلة سنة 1948 و1967 للفلسطينيين، ويعتقدون بأنها جزء من أرض الميعاد “الموعودة من طرف الرب” ويتجاهلون قرار الأمم المتحدة. ومنظمة حماس لن ترد غزة للسلطة الفلسطينية بسبب الفكر الإسلاموي.

الكل كان يوما ما، إما فاتحا، أو مُستَعمِرا، أو أجنبيا، أو مُستَعمَرًا، أو ذِمِيًا، أو لاجئا، أو من دون وطن، أو مغتربا، أو منفيا، أو   حرا”… الكثير من الناس لا يدرون في أي أرض، أو أي بحر ستنتهي بهم الأيام. كل البلدان وجدت يوما ما، لم يكن أي بلد موجودا عند ظهور الإنسان، وبفضل الطفرات الجيولوجية والمناخية والبيولوجية والثقافية والتاريخية، تمكن الجنس البشري شيئا فشيئا من تنظيم نفسه من أجل البقاء على قيد الحياة، على شكل عائلات، أو قبائل، أو مدن، أو إمبراطوريات، أو حضارات، ثم في شكل دول وطنية في العصور المتقدمة، فحُددت الأقاليم والإيديولوجيات كما تفعل الحيوانات من أجل ضمان فضاء للعيش، وكثيرا ما اندلعت حروب بسبب الرغبة في امتلاك، أو حيازة بعض الكيلومترات المربعة، أو” التبشير” الديني، أو الإيديولوجي.

قلة من الشعوب تعرف أين كانت منذ آلاف السنين، من أين أتت بالضبط ولماذا هي متوطنة حيث هي بدلا من مكان آخر، فمعظمها ليست لديها حتى النية لمعرفة ذلك. الآباء المؤسسون للاتحاد الإفريقي وضعوا في موجة التحرر في سنوات الخمسينات مبدأ ذكيا وهو عدم المساس بالحدود الموروثة من الاستعمار. تشكلت بلدان عن طريق الهجرة كالولايات المتحدة الأمريكية، أو عن طريق الحروب التحريرية، أو عن طريق اتفاقات بين القوى العظمى، كما هو حال الكثير من المستعمرات الإفريقية، أو عن طريق انقسام مجموعات كبرى جراء الاختلاف الديني (كالهند وباكستان، السودان وجنوبه)، أو على أساس الايدولوجيا (الصين، ألمانيا، كوريا، الفيتنام، الأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع…)

انهارت التجمعات التي أنشئت على أسس إيديولوجية، سياسية، أو لغوية (الاتحاد السوفياتي، يوغوسلافيا، بريطانيا العظمى التي انفصلت عنها إيرلندا، وكادت أن تلتحق بها اسكتلندا إلى عهد قريب). والدول التي نشأت بعد تفكيك الإمبراطورية العثمانية، هي بدورها في طريقها إلى التفكك كما هو حال العراق وسوريا. من بين الإخوة المنشقين، يوجد الذين تصالحوا كما هو حال ألمانيا الشرقية والغربية، والفيتنام الشمالي والجنوبي، بينما “الإخوة” المسلمون يتطلعون ويعملون على مزيد من التفرقة والانقسام في المستقبل.

إن بعض البلدان تؤجر لواءها البحري لمالكي السفن من أجل زيادة مداخيلها بالعملة الصعبة، وبلدان أخرى تؤجر أراضيها الزراعية للشركات المتعددة الجنسيات؛ وثلثا سكان لبنان يعيشون خارج حدود بلدهم الصغير جدا، ونصف سكانه تقريبا مكون من الفلسطينيين والسوريين الذين طردوا من بلدانهم منذ 1948 بالنسبة للأولين و2012 بالنسبة للآخرين. وفي دول الخليج الغنية، الأجانب فيها أكثر بكثير من سكانها الأصليين، ويوجد اليوم كثير من الأسباب، أو الذرائع التي تفرق العالم الإسلامي، أكثر من العوامل التي توحده.

إن التحوّلات الجيولوجية والمناخية والثقافية، وكذلك الأسباب التاريخية التي شكلت هذا الكوكب لا تزال قائمة، ونحن نشهد في أيامنا هذه تشكيل خارطة جديدة لاستيطان أراضي شاسعة. بعض الأقاليم مهددة بالزوال بسبب ارتفاع مستوى البحار والمحيطات، وهي تجني على شعوبها فيصبحون من دون وطن. وبلدان خصبة تفرغ من سكانها لأسباب سياسية ودينية. ما هو مصير هذه الشعوب من دون أراضيها، وتلك الأراضي المهجورة خوفا من الحكام المستبدين أو من هذه العصابات المتعصبة؟ من الذي يستقبل الأولين (النازحين)؟ ومن سيرث الأراضي التي يهجرها أهلها؟ ما مصير القيم كحب الوطن والوطنية والحضارة والتسامح والإنسانية التي طبعت المسيرة الطويلة للإنسان؟

هل يدري أحد في هذا العالم أين يتجه العالم؟ عندما كنا نسمع قديما أن العالم يتغيّر، لم يكن يتراء للجميع لأن التغيير يبدأ دائما صغيرا وبصورة تدريجية. المتحفظون يعتبرونه من بديهية الأشياء، المتعلمون يستنتجونه من القياسات العلمية والمنحنيات الاستشرافية، لكن عامة الناس لا تدركه إلا إذا أصبح واقعا، وبعد برهة من حدوثه يصبح بدوره خاضعا لقانون التغيير حيث يبدأ صغيرا لينتهيَ كبيرا.

 في عصر الأقمار الصناعية والألياف البصرية والرقمنة والنانومتر، يمكننا وضع هذا التغيير في غياهب النسيان، قبل أن تقره التحولات الملاحظة في نمط الحياة والأفكار، أو التكنولوجيات. يمكننا أن نراه كما لو كنا مجهزين بنظارات مكبِّرة أو بواسطة التلسكوب أو حتى بالمكروسكوب، والاكتشاف في نفس الوقت إلى أي نقطة يمكن لخيالنا أن يكون مخطأ عن واقع غير متوقع. إننا متيقنون بصفة مؤكدة بأن العالم يمكنه أن يتغير بأقصى سرعة، وهذا من خلال ما لاحظناه، وكذلك بفضل الإمكانيات التي شاهدناه بها.

والأصل ليس في رؤية التغيير، وإنما في تحديد موقفنا منه. إن مصير الجنس البشري معرض لتهديدات كبيرة، نابعة من التغير المناخي، واكتظاظ السكان، وندرة الموارد، وهشاشة الاقتصاد العالمي، وعودة التعصب الديني، واستمرارية الأنظمة السياسية الاستبدادية، من دون تشجيع حكومات العالم إلى تنسيق مواقفها.

من الذي يصنع التاريخ: العالم أم البشر؟ إلى مرحلة ما، كان الكوكب أو العالم أو الطبيعة هم الذين يملون قوانينهم على الإنسان، ثم تمكن هذا الأخير من الوصول إلى قلب الأدوار، وتحرر من هذا الارتباط، وأصبح تدريجيا “سيدا، ومالكا للطبيعة” حسب أقوال ديكارت.Descartes  منذئذٍ لم يترك مِقود التغيير وصنع تاريخه، بفضل الإمكانيات التي اكتسبها بذكائه وجهده. ويمكننا القول خلال نصف القرن العشرين أن الكوكب دخل في مرحلة “الانترو بوسين”  L_anthropocène (أي عصر البشر)، حيث للمرة الأولى في التاريخ، غيرت النشطات البشرية جوهريا، مجموعة الأنظمة التي تُبقي الحياة على وجه الأرض” (ماتيو ريكارد  Matthieu Ricardعالم الوراثة وراهب من التبت).

لكن ما نلاحظه في الأوقات الحالية، هو أن الشؤون الإنسانية تبدو وكأنها تخرج من كل سيطرة، مما يثير مخاوف كبيرة من أن تصبح مصدرا لمشاكل جديدة للبشرية. الصور التي تصلنا من أوروبا منذ بضعة أشهر، تظهر أمواج المهاجرين وهم يقتحمون الحدود، والطرق سريعة، ومحطات المسافرين، وهذا دليل على أن أمورا محددة في حالة الحدوث، والتي لا يمكننا معرفة نتائجها إلا بعد جيل أو عدة أجيال.

هذه الأمواج البشرية مصممة على الحصول على موطأ قدم في أوروبا، أو الموت في البحر أو في الطريق. وكأنها موجة تسونامي تجتاح في طريقها الحدود، ونقاط المراقبة، وقوات الأمن، والقوانين الوطنية، والإجراءات، والممارسات الاجتماعية الخاصة، لتذكرنا بالتنبؤات التي اطلعنا عليها قديما في كتب مشهورة. إنها كلمات المستشارة الألمانية التي صرحت بقولها “تدفق المهاجرين سيغير ألمانيا”. مرة أخرى هذا البلد أبهر العالم حيث وافق أربعة أخماس سكانه على قرار مستشارتهم بالترحيب بـ 800.000 لاجئ خلال السنة الجارية، بينما ستستقبل فرنسا 24.000 لاجئ خلال سنتين وبريطانيا 20.000 لاجئ خلال خمس سنوات.

عند متابعتنا للربورتاجات المتعلقة باللاجئين على شاشات التلفزيون العربية والغربية، من الصعب عدم ربطها بصور أخرى في نفس القنوات، تظهر منظمة “داعش” باعتبارها أكبر مصنع إنتاج للمهاجرين، منذ الحرب العالمية الثانية.

هل يوجد حل لظاهرة الهجرة الفوضوية التي هزت العالم، والتي ستغيره ثقافيا على المدى البعيد؟ كان استعمار الغرب لبلدان آسيا الكنفوشيوسية (اليابان، الصين، كوريا) قد أيقظ شعوبها التي هي اليوم على رأس البلدان ذات النمو العالمي. ونفس الاقتحام وقع للبلدان الإسلامية الغير عربية في آسيا (اندونيسيا، ماليزيا، تركيا) كانت له نفس النتائج. لكن في أفغانستان وفي البلدان العربية نتجت عنه فوضى دائمة وقاتلة (العراق، ليبيا، سوريا، اليمن). 

 كتب الدكتور قستاف لبونن (Gustave Le Bon) في كتابه الإنسان والمجتمعات” homme et les sociétés les  والذي نشر سنة 1895، هذه الأسطر متنبئا: “لقد زرعنا الحرب والشقاق لدى هذه الأمم البعيدة وزعزعنا سباتهم الأزلي. والآن جاء دورهم لزعزعة استقرارنا”.

إيجاد نماذج وأطر جديدة لتسيير المجتمع الدولي غير المنظم بقانون عالمي يعد أكثر من ضرورة، لكن هذه النماذج ليست متوفرة إلى حد الآن. وعليه فإن ظاهرة الهجرة التي تتطلع إلى أوروبا ليست في طريقها إلى الأفول، لكن في تضخم. ستزداد الهجرة غير المنظمة في السنوات والعشريات القادمة، مع إفقار واستنزاف البلدان التي لم تنج اقتصاديا خلال القرن الماضي، والإبقاء على الأنظمة الاستبدادية والإرهاب، والمياه التي ستغمر بلدانا بكاملها كما هو الحال في قصة سيدنا نوح (عليه السلام).

صرح رجل أعمال إسرائيلي يعيش في سان فرانسيسكو اسمه جازون بوزي في شهر جويلية الفارط في جريدة “الواشنطن بوست” بفكرة قدمها كحل للأزمة العالمية للمهاجرين، وهذه الفكرة تتمثل في إنشاء بلد جديد يمكن لهؤلاء السكان الذين يفرون من أقاليمهم، لسبب أو لآخر، وتمكينهم من إنشاء “أمة المهاجرين” حيث سيعيشون في أمان، سيعملون كبقية الناس، حسب أقواله، وسكان هذه الدولة (أي أمة المهاجرين ) يستطيع أن يصل عدد سكانها إلى 60 مليون شخص وهذا هو عدد هؤلاء النازحين في 2014 حسب أرقام المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة لمنظمة الأمم المتحدة.

ربما استوحى ذلك من بلده الأصلي لكنه اختزل الاقتحام بالقوة كما هو حال إسرائيل التي أنشئت على حساب الفلسطينيين. ورجل الأعمال هذا فتح موقعا على الانترنيت حيث يعرض أربع حالات وهي: الطلب من الدول المتقدمة ترك أجزاء من أراضيها غير المستغلة لتثبيت السكان المبعدين، أو شراء جزيرة خالية من السكان، أو اختيار بلد من البلدان غير الكثيفة سكانيا، أو إنشاء جزيرة في وسط المحيط، ويعطي مثال ولاية كاليفورنيا التي يعيش 90 ٪ من سكانها وهم أربعون مليون نسمة، في أقل من 10٪ من مساحة الولاية. وهذا بالضبط نفس النسبة الموجودة في الجزائر. ولتمويل هذا المشروع، وجه نداء إلى مشاركة الحكومات والمستثمرين الخواص.

مارأيكم؟ يجب أولا طلب آراء المهاجرين. فهم مهتمون بالبلدان الجاهزة والمهيأة والمتحضرة والغنية والسخية والتي تحترم حقوق الإنسان وتطبقها على كل البشر من دون تمييز، وليسوا مهتمين بأراض عذراء، ولا حتى ببلد يتم إنشاؤه من العدم، أو إقليم من دون شعب، أو دولة تعرف مشاكل حادة استنادا إلى أي أفكار، أو نموذج تبنى عليها “أمة المهاجرين”، علما أن أكبر عدد من المهاجرين هم من المسلمين. يتوجب أيضا طرح السؤال للمهاجرين غير المسلمين. يجب أخذ رأي الجميع لمعرفة رغبتهم في العيش المشترك”، وهل هم مستعدون لإنشاء هذه الدولة المثالية، وما هي القيم الأخلاقية والمؤسسات السياسية التي سيرسخونها في دستورها؟ أليس بسبب “عدم تطابق” الأنظمة الدينية والسياسية، هجر هؤلاء الناس أراضيهم؟ هل الهجرة كقاسم مشترك، تكفي كي يسود بينهم التعايش إلى أن يصبحوا مواطنين؟ إن مشروع جازون بوجي Jason Buzi  غير واقعي وغير قابل للتنفيذ. إنه أصح أن يكون مخبرا كبيرا في الطبيعة، يتم فيه تجريب حلم ليس متاحا للبشر حاليا، ولكن يكون خصيصا لبرمجيات ورجال آليين.

هل نحن بصفتنا كجزائريين معنيون بظاهرة الهجرة الفوضوية؟ نعم. وبكل أشكالها. فنحن بلد عبور للأفارقة نحو أوربا، ووجهة لإخواننا الأفارقة والسوريين الذين لا نستطيع إغلاق أبوابنا في وجوههم. ونحن منذ زمن طويل بلد مصدر “للحراڤة” كنا منذ بداية القرن الماضي بلد مزود للمهاجرين خاصة نحو فرنسا، وهذا الاتجاه عرف طفرة خلال عشرية الإرهاب، وجاليتنا تحصي ما بين خمسة إلى سبعة ملايين شخص منتشرين عبر العالم. هذا من دون الأخذ بالتبعات التي قد تصيبنا في المستقبل نظرا لهشاشة اقتصادنا وسياستنا. إن الجزائريين ينتظرون ويسجلون ولن يطلبوا من الاتحاد الأوربي في حينذاك أقل مما منح للسوريين اليوم.

 هل باستطاعتنا البقاء غدا، ونحن الذين كنا غائبين بالأمس، وألفنا كسوف التاريخ في دور القرابين، ووقودا لحروب الاستعمار، ومساعدين على تدمير أنفسنا (الحرْكَة في حرب التحرير، الإرهابيون خلال سنوات التسعينيات)؟ نحن أيضا يمكن زعزعة استقرارنا يوما ما، ونحن محاصرين من كل جانب ولدينا “حكومة قبائلية” في المنفى، وإخواننا الطوارق منتشرون في بلدان الساحل، وغرداية كانت إلى غاية عدة أسابيع مضت حقلا للتجارب، ونحن نستعد للجوء مجددا للاستدانة الخارجية والإسلاموية ما زالت تتوغل في المجتمع… مشكلات الغد هي المشكلات المطروحة اليوم على البلدان والشعوب، ومن بينهم نحن في الدرجة الأولى إذا تمادينا غظ الطرف الآن.

*ترجمة: شايب الحسين

مقالات ذات صلة