بلد النّصف مليون “مجنون”؟!
ازدياد معدلات اليأس والقنوط والتوجس من المستقبل لدى الجزائريين، الذين فقدوا بوصلة الأمان وتاهوا بين ثنايا الإحباط، أوقع كثيرا منهم في مصيدة الشعور بالبؤس والشقاء ومرارة العيش داخل بلد أضحى عنوانا للضغط والفشل على كافة الأصعدة، حتى أصبحنا نصنّف ضمن البلدان المنتجة للمضطربين نفسيا والمختلين عقليا!
الأرقام التي تناقلتها، قبل أيام، الصحافة الوطنية بخصوص وجود نصف مليون مجنون يعيش بن ظهرانينا، تبعث على القلق كون السلامة العقلية لساكنة هذا البلد أصبحت على كفِّ عفريت، حيث وصل عدد المصابين بالاختلالات العقلية إلى 500 ألف مصاب، بعدما كانت معدلات الإصابة محصورة في حدود 20 إلى 30 ألف إصابة فقط.
الحقيقة هي أنّ البيئة الاجتماعية التي يحيا فيها الفرد تؤثر على نفسيته وسلامته العقلية، وتجعل منه إما شخصا سويا أو فاقدا للأهلية. والسؤال الذي ينبغي طرحه بإلحاح: كيف لا يصاب ساكنة هذا البلد بالجنون، وبالسكري وضغط الدم والقلب… والآلاف منهم يقضون يومياً ساعات في الزحمة المرورية ويقطعون مسافة 10 كلم في ظرف أربع ساعات، خاصة في عاصمة البلد التي تُصنَّف في كل مرة كأسوأ مدينة للعيش؟
كيف لا يضطربون عقليا ويتأزمون نفسيا، وقد كتب عليهم الاصطفاف في طوابير مكتظة داخل مراكز البريد لصرف تلك المرتبات الزهيدة، ليفاجؤوا بنفاد الأموال أو تعطل الحواسيب بسبب عطب أصاب الشبكة؟ كيف لا يصابون بارتجاج في المخ، وقد انتظر المسحوقون منهم سكناتهم لعقود من الزمن ولم يدخلوها آمنين مطمئنين، ومنهم من قضى نحبه ولم يتحقق حلمه في شقة تحفظ كرامته؟ ألا يصاب المبحرون في الشبكة العنكبوتية بالإحباط وفقدان التوازن العقلي لمّا يرون دولا إفريقية قيل إننا سنصدِّر لها الأنترنيت، يتمتع مواطنوها بسرعة تدفق عالية في حين نعجز نحن عن تحميل مقطع فيديو؟! ألم تُصدم عائلات كثيرة في هذا البلد وفقد أفرادها عقلهم لأن أبناءهم الصغار هلكوا داخل حفر تركتها مقاولات من دون ردم بعدما انتهت من أشغال مشاريع؟
مثل هذه المظاهر المؤسفة أحدثت ارتباكا في سلوكيات الأفراد وجعلتها غير سوية، نظرا للصدمات المتتالية التي حُفرت في ذاكرتهم؛ فجعلت منهم أشخاصا فاقدين للعقل، لم تنفع منعهم لا الجلسات العلاجية ولا الأدوية المهدئة.
للأسف، لم نستثمر في الفرد وسارعنا إلى تشييد المباني الشاهقة والهياكل الفخمة، في حين ما يزال العنصر البشري خارج مجال الاهتمامات، وإلا كيف نفسر غياب تراخيص للأطباء النفسانيين لزيارة المؤسسات التربوية التي يركز المسؤولون عنها على صحة البدن فقط ويُهملون النفس والعقل، وهما من أكبر العلل التي أنتجت أشخاصا مختلين ومضطربين سلوكيا؛ فكم من تلميذ نابغة تخطى كافة المراحل التعليمية باقتدار وبمعدلات ممتازة، لكن سافرت معه بعض العقد النفسية التي حُفرت في ذاكرته إلى حياته المهنية والأسرية، في ظل غياب متابعة نفسية لمثل هذه الحالات؟!
وباختصار، فإن التواصل غاب داخل الأسرة، وسقط الخطاب المسجدي في فخ الرتابة، ولم يعد الإمام يستلهم دروسه وخطبه من مآسي المجتمع، أما المعلم فأدار ظهره لمهنة نبيلة اسمها تربية الأجيال، والنتيجة مجتمع مريض لا يقوى أفراده على تحمُّل الصدمات، فإما يفقدون عقولهم أو يضعون حدّا لحياتهم في بلد النصف مليون “مجنون”!