خيب المنتخب الوطني الآمال التي علقت عليه، وخسر بطريقة مذلة ومهينة أمام المنتخب الصربي، الذي بدا متواضعا رغم أنه تأهل على رأس المجموعة التي ينتمي إليها لنهائيات كأس العالم. خسارة "الخضر" يمكن أن نتحدث عنها من عدة جوانب، لكن الأكيد في الأمر أن المدرب رابح سعدان هو من يتحمل المسؤولية فيها، وهو ما سنبيـّنه لاحقا.
حاول بعض النقاد والمحللين والزملاء أيضا التهوين من الخسارة، وجعلها مجرد عثرة أو كبوة جواد. ولكن الأمر أخطر بكثير مما صورت الكثير من الصحف، لأنه لا يتعلق بخسارة مباراة ودية، وإنما بمصير منتخب لم يتبق له إلا بضعة أسابيع عن مونديال، ستكون فضيحتنا فيه بحجم الصخب الذي صاحب تأهلنا إذا لعبنا بنفس الطريقة. صحيح أن التأهل إلى العرس العالمي إنجاز، لكن عدم التأهل أفضل من الخسارة بفضائح نتيجة وأداء أمام الفرق التي ستواجهنا في جنوب إفريقيا، كما أن حصيلة الفريق خلال الثلاث مباريات الأخيرة مقلقة للغاية، فمنتخبنا تلقى 8 أهداف ولم يسجل هدفا واحدا، وهذا وحده كاف للتأكيد على أن هناك مشكلا عاما وشاملا، يستوجب حلولا سريعة وجذرية.
عودة إلى الوراء
الشيء الذي يجعل مباراة صربيا كافية للقول إن سعدان مطالب بالمغادرة وترك مكانه لشخص آخر، هو أنها جاءت بعد مباراتي مصر ونيجيريا في نهائيات كأس أمم إفريقيا. فمباراة مصر في النصف النهائي كانت فرصة للتأكيد، تأكيد أشياء كثيرة، أولها أن الفوز على كوت ديفوار لم يكن صدفة، ولم يكن راجعا لضعف رفاق دروغبا، وثانيها التأكيد أن الخضر هم الأحق بالتأهل إلى المونديال، وأنهم لم يسرقوا الفوز من الفريق المصري. لكن رفاق حليش دخلوا المباراة وهم مهزوزين ومترددين، وتمسك سعدان بنفس التشكيلة التي لعبت أمام كوت ديفوار ليخسر الفريق بنتيجة ثقيلة، حتى وإن كان الحكم كوفي كوجيا ساهم فيها بشكل كبير، لكن تبقى مسؤولية سعدان قائمة، لأنه لم يقم بالتغييرات الضرورية في الوقت المناسب، خاصة بعد إقصاء رفيق حليش، وترك منطقة الدفاع طريقا سريعا للمنتخب المصري، الأمر الذي كان وراء حالة الطرد الثانية، لأن نذير بلحاج فقد أعصابه عندما وجد نفسه "يسبح" بين أقدام منتخب مصر. بما أن البعض يفضل وضع خسارة تلك المباراة على عاتق الحكم كوفي جوكيا، سنترك هذه المباراة جانبا، وننتقل إلى مقابلة نيجيريا، فالضغط هنا كان أقل، والفريق كان مطالبا من الناحية المعنوية بأداء مباراة قوية والفوز بنتيجة عريضة لإثبات نظرية مسؤولية كوجيا في الخسارة أمام مصر. ولكن الفريق ظهر بوجه شاحب وضعيف، ولم تكن هناك أية خطة واضحة المعالم، وبدا اللاعبون تائهين فوق أرضية الميدان، بل إن بعض اللاعبين، مثل عنتر يحيى، رفضوا المشاركة في هذه المقابلة. وخسر الخضر المركز الثالث، بما زاد في حالة الإحباط الجماهيري. ومع ذلك، ضغط أنصار الخضر على أنفسهم وتهافتوا على المطار لاستقبال الفريق، والرفع من معنويات اللاعبين.
الأخطاء السبعة في مباراة صربيا
يمكن القول إن مباراة صربيا فضحت الكثير من الأشياء المسكوت عنها، وكانت مسرحا لأخطاء استراتيجية بلغت من العدد سبعا. الخطأ الأول هو توجيه الدعوة لـ19 لاعب فقط، بينهم 6 لاعبين محليين تم استبعادهم بمجرد انتهاء تلك الفضيحة. والخطأ الثاني هو توجيه الدعوة للاعبين مصابين لم يتمكنوا من اللعب مع زملائهم. الخطأ الثالث هو عدم تجريب لاعبين تم استدعاؤهم مجددا للمنتخب مثل العمري شاذلي، أو إعطاء الفرصة الكاملة لعناصر أخرى عائدة مثل رفيق جبور أو أخرى لم تمنح فرصة حقيقية مثل جمال عبدون الذي أظهر في المرات القليلة التي لعبها إمكانيات كبيرة. الخطأ الرابع هو اللعب بثلاثة لاعبي ارتكاز، فبعد استقدام مهدي لحسن، كان لابد من إشراكه، لكن مع الإبقاء على منصوري في التشكيلة الأساسية، وتلك قضية أخرى سنتناولها في موقع آخر. الخطأ الخامس هو إقحام لاعبين يعانون من نقص المنافسة، مثل عنتر يحيى وكريم زياني، الأمر الذي أثر سلبا على مردود الفريق، بل إنه لم يكن قد مضى على زفاف عنتر سوى يومين. الخطأ السادس هو الاعتماد على حارس عائد من إصابة، والإبقاء عليه 90 دقيقة رغم أنه تلقى 3 أهداف كاملة. والخطأ السابع هو عدم القيام بتغييرات سريعة، ولا بالعدد الكافي منها.
والخطأ الأكبر هو التبريرات التي راح سعدان يقدمها، وهي أسوأ من ذنبه. فعندما يقول بأن الفريق لا زال يعاني من التعب بسبب نهائيات كأس أمم إفريقيا، فهذا استخفاف بالعقول وضحك على الذقون، لأن الفريق المصري فاز بكأس إفريقيا، ولكنه لعب مباراة إنجلترا وظهر فيها بوجه أقوى من ذلك الذي ظهر به الخضر. كما أن سعدان سبق له وأن تحجج بشيء مماثل خلال كأس إفريقيا، عندما قال بأن الفريق لا يزال متعبا بسبب تصفيات كأس العالم. أما الحديث عن أرضية الميدان، فذلك تبرير أكثر سخفا، لأن الأرضية وإن كانت بالفعل سيئة، لم تمنع الفريق الصربي من تسجيل 3 أهداف في مرمى قاواوي. كذلك القول بأن التربص لم يكن مناسبا، وأن ظروف الإقامة في الفندق العسكري ببني مسوس لم تكن مواتية، هذا كله محاولة للتغطية على أخطاء لا يرتكبها مدرب مبتدئ.
يجمع الكثير من العارفين بخبايا المنتخب الوطني أن رابح سعدان مدرب ضعيف الشخصية، فهو غير قادر على فرض إرادته على عدد من اللاعبين، خاصة ما أضحى يعرف بجماعة زياني ومنصوري وعنتر يحيى، بينما يبدو المدرب حازما مع لاعبين آخرين، مثل خالد لموشية الذي وجد نفسه مطرودا من الفريق، لأنه اعترض على إشراك منصوري في كل المباريات حتى لو كان مردوده ضعيفا.
إذا عدنا بالذاكرة إلى المباريات التي لعبها المنتخب خلال الأشهر القليلة الماضية، نجد أن لاعبين مثل زياني ومنصوري كانا دائما حاضرين في التشكيلة، ولم يسبق لمنصوري مثلا أن خرج من أرضية الميدان. أما زياني، فالمرات القليلة جدا التي غادر فيها الملعب كانت بطلب منه، مثلما حدث في مباراة كوت ديفوار، وهذا الوضع جعل لاعبين آخرين يدفعون الثمن، مثل خالد لموشية الذي أبعد من الفريق لأنه فقد أعصابه وذهب لرؤية سعدان في غرفته في أنغولا وقال له: "واقيلا الفريق تاعك جايبو من الرئاسة"، وهو ما قصد منه أن التشكيلة الأساسية تبدو وكأنها معينة بمرسوم رئاسي لا يمكن تغييرها، وهو ما جعل سعدان يقدم على طرده، ويقسم بعدم عودته إلى الفريق.
لاعب آخر كان على وشك فقدان أعصابه هو جمال عبدون، الذي لم نره حتى في مباراة كوت ديفوار، ورغم ذلك، فقد أظهر إمكانيات كبيرة، وليس أدل على ذلك اللقطة الفنية الرائعة التي قام بها أمام صربيا، لكنه يبقى يدفع ثمن "نفوذ" زياني. الحديث عن زياني وعنتر يحيى يجرنا إلى "حقرة" سعدان للاعبين آخرين، وسياسة الكيل بمكيالين. فعندما كان رفيق جبور لا يلعب مع فريقه، استبعده من المنتخب، وقال له: ما لم تجد فريقا آخر، فلا مكان لك في المنتخب. ورغم أن البعض حزنوا لحال جبور، لكن ذلك كان هو المنطقي، أما غير المنطقي، فهو الإبقاء على زياني وعنتر يحيى في الفريق وفي التشكيلة الأساسية رغم أنهما لا يلعبان مع نواديهما، بدعوى ضرورة مساعدتهما لأنهما يتعرضان لانتقام بسبب مشاركتهما في نهائيات كأس إفريقيا للأمم، وهذا كلام غير صحيح، لأنهما لو كانا في مستوى قوي، لتمّ إشراكهما مع فريقهما، فلم نسمع بدروغبا مثلا يتعرض لانتقام لأنه شارك مع فريقه الوطني، أو حتى المصري محمد زيدان. وبعيدا عن ذلك، هل نساعدهما بإعطائهما الفرصة لجعل الفريق يخسر ويتسبب في فضائح كروية؟ ومهما كان ما فعله هذان اللاعبان في مشوار التصفيات، ما هو المنطق الذي يجعل المدرب يشركهما كأساسيين ويجلس على كرسي الاحتياط لاعبين أكثر استعدادا وجاهزية؟
المنتخب ليس جمعية خيرية ولا مصلحة خدمات اجتماعية، فكل اللاعبين في العالم مهما كان وزنهم واسمهم يبعدون أو يتم الاستغناء عنهم ظرفيا أو كليا عندما يتراجع مستواهم، من ميسي إلى رونالدو