الرأي

بن بلة، من ابن الخطاب إلى غيفارا

ح.م

قرأت كثيرا من المقالات وبعض الكتب عن الأخ أحمد بن بلة – غفر الله له ولجميع المؤمنين – كما سمعت كثيرا من أخباره ممن عرفوه قبل رئاسته وأثناءها وبعدها، ولكن أهم ما قرأته عنه ثلاثة كتب عن حياته وأفكاره، وهي بـ”عظمة لسانه”، فليس فيها تجن، ولا تقول عنه – وهذه الكتب هي “مذكراته” التي أملاها على الصحفي الفرنسي روبير ميرل، ونشرت ترجمتها العربية في دار الآداب ببيروت في منتصف الستينيات، و”أحمد بن بلة: حديث معرفي شامل”، وهو من إعداد الصحفي محمد خليفة، ونشرته دار الوحدة في بيروت في سنة 1985، و”بن بلة يتكلم”، من إعداد الصحفي التونسي الصافي سعيد، وقد نشر مرتين في بيروت في 1981، وفي تونس في 2012.. كما تابعت حوار الأخ بن بلة مع الصحفي أحمد منصور في برنامجه “شاهد على العصر” في قناة الجزيرة.

عندما كنت مراهقا كنت شديد الإعجاب بالأخ ابن بلة، ولكن هذا الإعجاب بدأ يذبل كلما تقدم في العمر، وقارنت بين ما قرأته في حواراته الكثيرة وما سمعته عنه من أنصاره وخصومه، وما رأيته من أفعاله وأحكامه على غيره.

أول ما صدمني في الأخ ابن بلة هو “بطشه” بأقرب الناس إليه فكرا ونضالا ومعايشة في سجن العدو الفرنسي، وهم الإخوة خيدر، وبوضياف، وآيت أحمد، وبيطاط.. ولم يستطع أن يأتلف أحدا منهم، كما استغربت “شراهة” الأخ ابن بلة للسلطة إلى درجة “استحواذه” – في فترة رئاسته القصيرة – على ستة مناصب هي رئاسة الجمهورية، ورئاسة الحكومة، والأمانة العامة للحزب بعد هروب خيدر، ووزارة الداخلية، والسياحة، والإعلام، بعد استقالة أو إقالة مدغري، وقايد أحمد، وحاج اسماعيل.. ولو بقي أسبوعا آخر بعد 13 جوان لسبّع بوزارة الخارجية لأنه كان يتربص ببوتفليقة.

والأعجب من ذلك كله أن الأخ ابن بلة لم يتجاوز مستواه التعليمي المرحلة المتوسطة..

لي على الأخ ابن بلة عدة ملاحظات تخدش “شهاداته” التي كان بعضها على طريقة الممثل الفكاهي عادل إمام “شاهد ماشافش حاجة”، كقوله عن السلطان محمد الخامس أنه عند “ذهابه” إلى المنفى سلّم مهامه إلى ابنه (بن بلة يتكلم – ص 66)، وكقوله “عبان رمضان قتل في تونس”. (بن بلة يتكلم – ص76)، وكقوله: “نظام بورقيبة امتداد مستمر وقائم للسلفية”، (أحمد بن بلة، حديث معرفي شامل – ص 117).

ذكرني بتناقضات الأخ ابن بلة الأخ المجاهد العتيد محمد الطاهر عبد السلام، إذ جاء في حواره الطويل في جريدة الشروق في 3/12/2020 ص 21: “أن بن بلة كان يردد نحن نمثل اشتراكية عمر بن الخطاب للعدالة الاجتماعية لا اشتراكية المادية ولا الماركسية”.. وقد يكون في كلامه ذاك مرتديا اللباس “المادي” الذي كان الأخ ابن بلة هو أول من أدخله إلى الجزائر.

من يقرأ كلام الأخ ابن بلة يحسبه “عمريا” فكرا وسلوكا، بينما يشهد على نفسه بقوله: “صرّحت على رؤوس الأشهاد بأنه لو لم يكن الاتحاد السوفياتي موجودا فإنه كان لابد لنا من خلقه.. “(مذكرات بن بلة ص 164). ويقول عن تشي غيفارا “عرضت عليه أن يتولى وزارة الاقتصاد ويصبح وزيرا في الحكومة الجزائرية (بن بلة يتكلم ص 144)، في حين يزعم الأخ بن بلة أنه عارض مؤتمر الصومام لغياب البعد الإسلامي فيه!؟). ولا أتحدث عن المستشارين الشيوعيين للأخ أحمد بن بلة.

إننا لو طبقنا قواعد “الجرح والتعديل” التي يعتمدها علماء الحديث النبوي الشريف لأسقطنا كثيرا من “شهادات” الأخ ابن بلة و”رواياته”. ولا نملك إلا أن نقول: غفر الله له ولجميع المؤمنين.

مقالات ذات صلة