لا .... يا صاحب الفخامة!!
عُقد في شهر جويلية الماضي مؤتمر الجامعة الصيفية للمغتربين في نادي الصنوبر بالعاصمة الجزائر ، يهدف على ما أظن إلى إشراك المغتربين في التنمية ، وهو أمر جيد وحسن إذا صدقت النيات وخلصت الغايات وصحت الخطوات ، ذلك أن غالبية المغتربين الجزائريين مستعدون للتضحية من أجل أن يروا بلدهم يسير بخطى أكيدة نحو التطور ، وأكثريتهم لهم من الخبرات والقدرات ما لن يبخلوا أبدا عن تقديمها لوطنهم إذا ما وجدوا لذلك سبيلا وفرصة حقيقية .
تُليت في ذلك الإجتماع رسالة السيد رئيس الجمهورية للمؤتمرين، التي أكد فيها أن على المغتربين دَيْن واجب التسديد اتجاه بلدهم ، ما استفزني وكدت أنفجر من الحنق والغيض رغم أني لم أحضر الإجتماع وإنما قرأت ذلك في الجرائد ، فقد شعرت وكأنه يخاطب برسالته السذج والمنبهرين به أو الذين لا يعرفون أن يردوا إلا بنعم يا صاحب الفخامة ، ما دفعني أن أسطر له هذا الرد الذي لا يستند إلى أية خلفية سياسية أو حزبية أو شخصية ، إنما هي وطنية خالصة أرجو معها التطور الحقيقي والسريع لوطني.
إن كلمة دَيْن ثقيلة جدا وليست في محلها إطلاقا ، والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى ، وقد زرت الجزائر في النصف الثاني من شهر جوان الماضي فرأيت بأم عيني وشهدت بنفسي أمورا تؤكد أن رسالتكم السابق ذكرها قد كتبت بلغة الخشب ، سرعان ما يتبخر حبرها ويتغير معناها ويندثر أثرها ، والأنكى من كل ذلك بعدها أن تتآكل الثقة بكلامكم كله ، مقدمة لتمني سكوتكم ، وسأقص عليكم بعضا مما رأيت وسمعت في ظرف أسبوعين فقط لعلها تبرر سبب إنكاري عليكم بقسوة مهذبة .
1 ــ لم أضجر من تأخر طائرة الخطوط الجوية أكثر من ثلاث ساعات عن موعد الإقلاع ،ذلك أن التأخر من خصالها الحميدة الثابتة و لأني وطنت نفسي منذ سنين على أكثر من ذلك ، فقد طارت بنا مرة في اليوم الموالي ، لكن تشمئز نفسي من الكذب المكتوب في التذكرة ، ألا ترون معي سيدي الرئيس أن وراء هذا العيب المرذول أشخاص متخلفون جيئ بهم من البدو لا يهمهم أن يتأذي الناس ، يحتلون مناصبا غير مناسبة وتعوزهم الجدية ؟
2 ــ هل تعرفون بما ذا نفسر عدم رد إطارات بعض القنصليات الجزائرية على مكالماتنا الهاتفية إلا بعد لأي ولا يترددون في قطع الخط دون رد ؟ إنه أمر يبعث على القرف ألاّ يحاسب أي مسؤول يستهتر بقيمة الدولة ورموزها ، ويصر على تأكيد مظاهر التخلف وانعدام الجدية، ومرد هذا الخلل في كثير من الحالات إلى تقمص بعض الموظفين للثوب الدبلوماسي بغير حق ، فهلا أسرعتم بطردهم فنستريح من شرورهم ، فقد تنقلتْ معنا قبل سنة ونصف إلى الجزائر سيارةُ القنصلية بأليكانت مملوءة بصناديق الخمر الإسبانية الظاهرة من نوافذها؟ والأعجب من ذلك أنها مرت على الجمارك بكل سهولة؟
3 ــ هل صمّت آذانكم عن سماع شكاوى المغتربين المعذبين في موانئ بلدهم الجزائر من طرف رجال التفتيش الجشعين الخبثاء ، يحبسونهم في سياراتهم الساعات الطوال بأطفالهم الصغار بحجة التفتيش والمراقبة ، فيبْتزّونهم بكامل الجدية والحرص على الإجراءات الإدارية المتنوعة ، رغم أنه في موانئ أوربا نمُر من الباخرة إلى الطريق السريع بعد ختم الجواز من نافذة السيارة؟ هل تتخيلون ما يختلج بكل جدية في وعي أبنائي بعد أن يستولي المفتشون الملاعين على حلوياتهم وبعض ألعابهم وثيابهم ؟
4 ــ كنت أدخل إلى العاصمة بالطريق الوطني رقم5 ، فعددت من الأخضرية إلى باب الزوار سبعة حواجز أمنية ، ستة منها للدرك وآخرها للشرطة، وكنت أقضي بسبب كل حاجز نصف ساعة تقريبا ، أي أقطع مسافة 65 كلم في أربع ساعات و في طريق مزدوج ، لكن ما حيّرني حقيقة هو وقوف رجال الأمن في الطريق دون أن يفتشوا أو يوقفوا أحدا ، ما يؤكد أن هدفهم هو توقيف الوقت والزمن والإساءة عمدا للناس بإذلالهم و تضييع أوقاتهم ، فكل ما يمكن أن يُقدم كتبرير لهذا السلوك القبيح لا يغطي مستوى العجز المتوافر عند من قرر هذه الإجراءات . فهلا بررتم فخامة الرئيس يمينكم الشريفة فتمضي على مرسوم يفرض إستراتيجية أمنية جديدة تلغي ثلثي الحواجز على الأقل فتوفر الملايين من ساعات العمل الثمينة والمهدورة عمدا؟
5 ــ رغبت أن أفتح حسابا للعملة الصعبة في أحد البنوك فرد علي الموظف بأنه غير ممكن ، فظننت أنه يريد أن يبتزني فتوجهت إلى بنك آخر وكانت الإجابة مشابهة : ممنوع ، وبعد أن توسط لي أحد أقربائي طلبوا مني ملفا ، فألغيت الفكرة من ذهني على أمل أن يتوفر مستقبلا بنك يحرص على الإستزادة من الزبائن بدل أولئك العابثين الغير مؤتمنين ، تأتيهم بالمال الصعب لخزينتهم فيأبون ، فكيف يمكن أن نثق فيهم على أموالنا وأعمالنا؟
6 ــ شهدت في إحدى بلديات ولاية البويرة أن شيخا رغب في أن يستخرج كعادته شهادة ميلاد زوجته التي له معها أربعين سنة وعددا من الأبناء المعروفين ، فسُلمتْ له نسخة مُدون فيها أنها مُتزوجة برجل هو زوجها الأول الذي طلقها قبل أربعين سنة ، فذهل الشيخ لهذه المصيبة المفاجئة ، فاشتكى إلى رئيس البلدية الأُمي الذي يرأس مجلسا به دكتورا وأستاذا وغيرهما ، فقال له لا أستطيع فعل شيئ فهكذا هو السجل اذهب إلى الدائرة ، فغالبٓ القوم كي يقابل رئيس الدائرة ، ثم نصحوه أن يحمل شكواه إلى المحكمة . هل هناك من رجل رشيد يفسر لي هذه الخالوطة في 2009؟ ألا يخجل وزيركم للداخلية من نفسه بعد كل هذا الإصرار الأكيد على التكريس المتعمد للرداءة الإدارية أم أنه رجل لا يعرق أبدا ، فمنذ الإستقلال وأنتم تعذبون الشعب بهذه الوثائق الكريهة المتنوعة ، فهلا بادرتم بإصدار قرار فوري يلغي كل هذه ( الكواغط) فتوفرون الملايين من أطنان الورق وساعات العمل ؟
8 ــ حدّثني ِبأسى نائب رئيس إحدى بلديات تيزي وزوــ وهو صديق صادق صدوق ــ أنهم يتوفرون على سبعين عامل بعقود ما قبل التشغيل بأجر 3000 دج شهريا ، والمناصب الثابتة التي تشغُر بالتقاعد والإستقالة أو الوفاة مثلا تُعوض بعقود ما قبل التشغيل . أليس هذا هو الإستعباد بعينه للناس مقابل رغيف الخبز ؟ هل ترضون ذلك لأبنائكم وأقربائكم ؟ أليس من بين أولئك أدمغة تفكر في الهرب والهجرة فتتباكون عليهم بعد ذلك ؟ أتدركون مقدار الحقد واليأس الذي زرعتموه في قلوب أولئك العمال عندما يستنتجون النسبة بين أجرهم وأجر القاعدين في مبنى زيغود يوسف (رحمه الله) والتي رأيتم أن تكون 300000دج ؟ أظن أنه سيتجاوز المئة كيل ، فذلك ما ترغبون ؟ ألا ترون أنهم يلعنونكم كل شهر بدل أن يمدحوكم ؟
9 ــ رأيت على الطريق بين مدينتي قادرية والأخضرية في قريةٍ بنايةً جديدة في طور الإنشاء تشبه المدرسة ، قيل لي بأنها محلات الرئيس ، تحيط بها غابة من أعمدة الإنارة العمومية ، لم أستطع عدها كلها فقد عددت 21 من النواحي التي بدت لي ، لكن رأيت أن المسافة بين أي عمودين قد لا تتعدى مترا ونصف تقريبا مما يتطلب محطة كهربائية كاملة خاصة بذلك المبنى فقط . أهكذا يُعبث بالمال العام وباسم صاحب الفخامة ؟ ثم أين هي مصالح الأمن لتحقق في هذه الجريمة التي بالغ أصحابها في إظهارها والإستخفاف بالشعب والدولة معا ، أم أنهم يغضّون الطرف عنها لأن تحت السواهي دواهي؟ هل تملكون الجرأة والشجاعة بعد كل هذا لفتح ذلك المرفق المسمى باسمكم الشخصي ؟
10 ــ أختم لكم شواهدي بآخر ماشهدت ، فقد أتحفتمونا بمهرجان الثقافة الأفريقي برؤية ما رأى الجميع وسار على ألسنة الناس ، وقد قالت الصحف أن ميزانيته كانت بين 900 والألف مليار ولا أدري هل كانت من السنتيمات أم من الدنانير ، لكنه في الحالتين هو رقم فلكي ، والوزيرة آثرت الصمت فلم توضح ، وعندما نحصي المتسولين والمجانين المتسكعين في المدن ، وعدد المنتحرين والحراقة والبطالين والمتضورين مسغبة والعوانس والعزاب والذين يأكلهم الدود في المستشفيات والبيوت القصديرية ثم ننظر لذلك المهرجان ، يستقر في وعينا ألا ضرورة له يقينا، بل هو شكل قبيح جدا للترف والتبذير المتعمد للمال العام .
باستحضار ذلكم الرقم الفلكي والحالة الإجتماعية للناس ، ألا تخشون أن تكونوا المقصودين بقوله سبحانه :" وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً{26} إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً"؟الإسراء27 أو أنكم قد يطالكم القانون الإلاهي الذي لا يحابي :" {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَّرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً }الإسراء16"؟
هل نسيتم أن تلك الأموال هي دماء ملايين الشهداء من رفاقكم ودموع أراملهم وأبنائهم أم أنكم لا تشعرون ؟
قد تقولون أن هذه الآيات لا تشير إليكم لدعمكم الأخلاق والدين وعزمكم بناء المسجد الأعظم وحضوركم صلاة العيد ، لكن مظاهرتكم للطرق الصوفية لا يضاهيها إلا التيسير الذي تلقاه نوادي الروتاري ومحافل الماسون الخبيثة.
هذه عشاريتي من الشواهد انتقيتها لكم ، ليس لأغير صدركم وأبث فيه اليأس أو أخدش كرامتكم وسمعتكم ، بل لأحاججكم بها فأرد عليكم دعواكم بحصاد ما عملت أيديكم من دون أن أفتري عليكم، وإني أسمعكم تقولون لماذا حشرت نفسي فقط في هذه التفاهات العالقة بالمستويات الدنيا وأرفع رأسي إلى الأعالي فهناك ما لا يحصى مما تسر به العين ويطرد التشاؤم ؟
إن ما شهدته نماذج واضحة للأسقام التي تفتك بالدولة من أساساتها ، تعرقل التنمية إن لم تنسفها ، بيدكم سهل وميسورعلاجها ، لكنكم لم تفعلوا منذ عقد من الزمن مضى ، أراها تستفحل وتتغوّل أكثر كلما طال سكوتكم عنها إحتراما للعبة التوازنات اللعينة والهواجس الأمنية ،وإني لم أرغب الحديث عن الأفكار الكبرى العالية ذلك أن كثرة الأوساخ والفوضى التي تملأ شوارع المدن كلها لا تدع لذلك مجالا . فهل تضمن أن جهود المغتربين التي هي ديْن كما وصفتم لن تذهب هدرا في جو تلك الشواهد ؟ ألا تعتبر رسالتكم إذا مجرد دغدغة سياسية تمر كسحابة صيف ؟
بقلم: عبد الله بن مسعود - الجزائر
[email protected]