بورصة “السكوار” معطلة.. “الدوفيز” مفقود والأباطرة يتحدّون الحكومة
عاد “بزناسية” “السكوار” للعملة الصعبة بعد إطلاق سراحهم إلى ساحة بورسعيد، أمس، حيث تجمعوا وعلامات الاستفهام مطروحة على وجوههم بخصوص مصير أموالهم، وما سينجر عن المحاضر التي دونتها مصالح الشرطة الاقتصادية والمالية التابعة لأمن الجزائر، في وقت أكد بعضهم أنها مجرد أيام وستعود “السكوار” الى نشاطها المعتاد.
وأطلقت مصالح الشرطة الاقتصادية والمالية لأمن ولاية الجزائر سراح الموقوفين الناشطين في السوق السوداء للعملة الصعبة بـ”السكوار” خلال عملية المداهمة الفجائية التي قامت بها أول أمس، بعد أن حجزت أموالهم من مختلف العملات، ودونت محاضر التبليغ، على أن يتم استدعاؤهم في وقت لاحق.
وعاد “بزناسية الدوفيز” الى ساحة بور سعيد التي اعتادوا فيها مزاولة نشاط بيع وشراء العملة الصعبة، ولكن هذه المرة، لا أثر للأوراق النقدية الأكثر تداولا كـ”الدينار”،”الأورو” ، “البوند”، “دولار”، الكل تحت الصدمة ويسأل عن مصير أمواله المحجوزة، وعن محاضر التبيلغ التي حررتها الشرطة والاستدعاءات التي ستصلهم، في وقت أكد أحدهم أن عودة نشاط العملة بالسكوار سوى مسألة وقت كما حدث في وقت سابق.
وإن فضل الكثير منهم عدم التصريح أو الحديث مع الصحافة، عبر موقوفين اخرين عن تفاجئهم لعملية المداهمة غير المنتظرة، وأكد أحدهم والذي أطلعنا على محضر التبليغ بمركز الشرطة، أن كل الموقوفين الذين تراوح عددهم – بحسبه – مابين 40 و60 شخصا تم تجريديهم من الأموال التي كانت بحوزتهم، مبديا تفاجؤه للمداهمة، خاصة أن السوق الموازي للعملة الصعبة – يقول – ليس بالسري وإنما “كل الجزائر تعلم به وتتدوال أموالها هنا”.
ولمعرفة تفاصيل أكثر، وسط أعين “البزناسية” التي كانت تترصد باقتراب أي شخص قد يكون شرطة بالزي المدني، تقمصت “الشروق” دور “شاري الأورو”، واستفسرت من أحدهم إذا ما بإمكانه بيعنا، فكانت اجابته والشك يحوم لديه حول هويتنا “الأورو انتهى في السكوار .. تجيدونه في سويسرا”، وتشابهت إجابات هؤلاء حول انعدام الأورو وأي عملة أخرى، ما عدا شخصين ردا علينا “كم لديكم، اليوم نشتري لا نبيع”، وفي هذه الأثناء نطق أحدهم بصوت عالي “اليوم سنبيع بـ170 دج ونشتري بـ130”.
استهدفنا اخر وبمجرد أن ذكرنا موضوع بيع وشراء “الأورو” بدأ يتلفت يمينا وشمالا، ليقول بعد ذلك “كم لديكم لنشتري لأنه لم يبقى لنا ما نبيعه جردونا بالأمس من كل ما نملك”، وبسبب عدم بيع أو شراء أي دينار أو عملة أخرى بالسكوار، قصدنا أحد المحلات المعروفة بالعاصمة لمعرفة السعر المتداول، حيث قال صاحب المحل أن سعر بيع الأورو 159 دج وسعر الشراء بـ157 دج، أما سعر الدولار فقدر بـ142 للبيع و140 للشراء.
وبدت علامات الاستفهام والحيرة واضحة على وجوه المواطنين الذين اعتادوا على استعمال “السكوار” لشراء أو بيع أي عملة، خاصة الذين لم يعلموا بما قامت به أعوان الشرطة يوم أول أمس، متفاجئين لعدم وجود أي أوراق نقدية من عملة وطنية وصعبة في أيدي تجار السكوار.
إعادة فتح ملفات شبابيك الصرف ومنحة السفر
4ملايير دولار في قبضة “مجهولين” سنويا
أعادت عملية مداهمة مصالح الأمن للسوق الموازية للعملة الصعبة ببور سعيد بالعاصمة أول أمس، النقاش حول المنظومة المصرفية والسياسة المالية في الجزائر إلى الواجهة، خاصة في الشق المتعلق بمكاتب الصرف الرسمية ومنحة السفر، وفق مبدأ معالجة المشكل بالمشكل.
قدّر الخبير الاقتصادي عبد الرحمن مبتول، حجم السوق الموازية للعملة بين 3 و4 مليارات دولار سنويا، ما يمثل 50 بالمائة من حجم النشاط الاقتصادي للبلاد باستثناء الشركة الوطنية للمحروقات “سوناطراك”، وتمثل ـ حسبه ـ 40 بالمائة من النقد الإجمالي للبلاد، وهو ما يمثل تهديدا حقيقيا للاقتصاد الوطني.
وأرجع مبتول التنامي الخطير لظاهرة “البنوك الموازية على الهواء الطلق”، إلى انتشار البيروقراطية والفساد المالي، مشددا على أن حل مسألة القطاع الموازي يعتبر قضية سياسية بالدرجة الأولى، في حين تفسر الحكومة غياب مكاتب صرف رسمية في البلاد بعدم إقبال الناس على الاستثمار في هذا المجال بسبب هامش الربح (الضئيل) في النسبة المتراوحة بين كلفة الشراء وكلفة البيع، حيث لا تتعدى 1 بالمائة، مقابل هامش صارخ وصل إلى 50 بالمائة في السوق الموازية، حيث يعادل سعر العملة الأوروبية الموحدة نحو 105 دينار جزائري للأورو في البنوك الرسمية مقابل 159 دينار جزائري للأورو في على مستوى السوق الموازية، وهو بمثابة تحفيز وتشجيع للسوق الموازية.
ولم تف الحكومة بوعدها بمراجعة هامش الربح المرتبط بالتجارة الرسمية للعملات لتمكين الخواص الراغبين في خوض تجارة العملة، من فتح مكاتب رسمية للصرف كخطوة تحفيزية من شأنها توفير البديل للسوق السوداء التي أدارت لها السلطة الظهر بالرغم من إقرارها بعدم قانونيتها، كما تبرأت الحكومة من مسؤوليتها أكثر من مرة بخصوص عدم رفع منحة السفر، برميها الكرة في مرمى بنك الجزائر.
مبتول: البيروقراطية والفساد وراء “البنوك الموازية على الهواء الطلق”
ويعود التشريع الخاص بالحصول على المنحة السياحية بالنسبة للجزائريين إلى بداية ثمانينات القرن الماضي، حيث تم تشريع التنظيم الخاص بالمنحة السياحية وكان يحصل كل مواطن مقيم بموجب التشريع الجزائري على ما يعادل 420 فرنك فرنسي مرة كل سنة، وبعد اشتداد الأزمة الاقتصادية في 1986 تم تشديد الإجراءات الخاصة بالمنحة السياحية، وأصبحت تمنح مرة كل سنتين، قبل العودة إلى تطبيقها بشكل سنوي بما يعادل 15000 دج لكل فرد بالغ من العائلة و7500 دج للأطفال قبل سن الرشد، مع التشديد على أنها غير قابلة للتراكم مقابل 3000 أورو للمواطن التونسي مع إمكانية الاحتفاظ بها من سنة إلى أخرى، وحوالي 4000 أورو للمواطن المغربي في السنة، ووصف المتحدث هذا التشريع بالمهين للجزائريين بالنظر إلى الإمكانات المالية التي تتوفر عليها الجزائر بالمقارنة مع دول الجوار، مشددا على ضرورة مراجعة هذه التشريعات بسرعة بالنظر إلى التحولات الهيكلية التي يعرفها الاقتصاد الوطني.
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن التشريع الخاص بمنحة السفر لا يفرق بين السائح العادي ورئيس مؤسسة اقتصادية الذي ينتقل إلى الخارج في مهمة عمل، حيث لا تتعدى المنحة اليومية التي يحصل عليها الرئيس المدير العام للشركة 120 أورو، وهو مبلغ لا يمكن حتى من قضاء ليلة واحدة في فندق محترم، وعليه يصبح الباب مفتوحا على مصراعيه أمام الممارسات غير القانونية، منها تضخيم الفواتير بشكل يتيح للمتدخلين في عمليات التجارة الخارجية تحويل مبالغ كبيرة إلى الخارج تحت غطاء عمليات الاستيراد.
ويرى مبتول، أنه إذا كانت الحكومة تهدف من وراء إعلانها الحرب على السوق السوداء للعملة الصعبة، إلى الحد من نزيف العملة إلى الخارج عن طريق هذا التشريع، فهي مخطئة، لأن طرق تهريب العملة متعددة ولا يمكن لأقوى حكومة في العالم مكافحتها، وخاصة عندما يتعلق الأمر بدولة تستورد 80 بالمائة مما تستهلك من الخارج مثل الجزائر.
في تقرير سابق حول تمويل الإرهاب وتبييض الأموال وتهريب العملة
“آف بي آي” أدرج سوق “السكوار” ضمن “القائمة السوداء”
أكدت مصادر، موثوقة لـ”الشروق”، أن تقريرا أمريكيا، تعلق بتمويل الجماعات المتطرفة، التي تشكل خطرا على الأمن والسلم العالميين، تضمن من بين المصادر المحتملة للتمويل، الأسواق الفوضوية للعملة الصعبة بالجزائر، التي من بينها “السكوار” بالعاصمة.
وحسب مصادرنا، فإن السلطات الجزائرية تلقت نسخة من التقرير المذكور، وبادرت منذ شهر لرصد “الهدف” ومراقبة تحركات تجاره والمتعاملين معهم، قبل تنفيذ حملة المداهمة أمس الأول.
وحسب مصادرنا، فإن التقرير الذي أعده مكتب التحقيقات الأمريكي “الاف بي أي”، ضمن تقارير دورية ويضم خبراء من الكونغرس، ولعل أبرز تقاريره تتعلق بالمطلوبين أمنيا في العالم ومصادر التمويل والاتجار غير المشروع في الأموال، وأشار التقرير حول العملة، إلى أن أموالا ضخمة بالعملة الصعبة يتم تداولها في سوق “السكوار”، تصل إلى حد 100مليون دولار، ما جعل الولايات المتحدة تصنفه ضمن القائمة السوداء، باعتباره قد يكون أحد مصادر الاستغلال في تمويل الجماعات الجهادية، والاتجار غير المشروع في الأموال، وتبييض الأموال، مما يساعد المافيا العالمية على تكثيف نشاطها الإجرامي، في ظل توفر إمكانات لتحويل أموالها المشبوهة.
وحسب المعلومات المتوفرة، فإن الجزائر ومن منطلق حرصها على الأمن والاستقرار وكذا تجفيف منابع الإرهاب، وتضييق الخناق على المافيا وحماية الاقتصاد الوطني، بادرت إلى هذه الحملة الأمنية التي أسفرت عن عدة توقيفات وحجز أموال كبيرة.
واعتبر الخبير الأمني، الدكتور احمد ميزاب، أن هذه الحملة جاءت ضمن مخطط أمني تقوم به الجزائر لمكافحة الجريمة المنظمة، ومصادر تمويل الإرهاب، وجاء بعد أن قدم وزير العدل حافظ الأختام قبل شهرين للبرلمان تعديلات جديدة عن قانون مكافحة الإرهاب، وأدرج فيه ظاهرة تهريب الأموال.. وأردف المتحدث أن الجزائر ورغم ورود اسم السكوار في تقارير دولية، باعتباره نقطة سوداء في إفريقيا، تتحرك بناء على معطيات ومتابعات دقيقة لمحاربة الاتجار غير المشروع في الأموال وتجفيف منابع الإرهاب.