الرأي

بوعلام صنصال… حين تُصنَّع «المعارضة» وتُستعمل الخيانة وظيفة

لعلى بشطولة
  • 783
  • 0
ح. م
بوعلام صنصال

يأتي وقتٌ تتحوّل فيه اللياقة الفكرية إلى تواطؤ، وتغدو المجاملة الأكاديمية شكلًا ناعمًا من الجبن. وقتٌ يصبح فيه الإصرار على الحديث عن «التعقيد» و«اختلاف وجهات النظر» مجرّد ذريعة لغضّ الطرف عن أدوارٍ مكتملة الأركان. هذا الوقت قد حان.

قضية بوعلام صنصال لم تعد قضية كاتبٍ يختلف مع دولته، ولا مثقفٍ اختار النقد من الداخل. إنّها قضية دور. دورٌ مصقول، مُعتمد، ومُحاط بهالة أخلاقية جاهزة، وُضع في خدمة آلية قديمة لا تخطئها العين: تقويض الجزائر من داخلها، لكن بلسان “جزائري مقبول” في السوق الفرنسية.

في السردية الفرنسية السائدة، هناك حاجة دائمة إلى «جزائري مختلف». جزائري يقول ما لا تريد فرنسا قوله عن نفسها. جزائري يُدين الجزائر بدل أن يُربك باريس. جزائري يفسّر «فشلنا» بمفرداتهم، وبمقاييسهم، وبتراتبيتهم الأخلاقية. هنا، تحديدًا، جرى تثبيت صنصال.

يريدون لنا أن نصدّق حكاية مريحة: مثقف استيقظ على نور الحقيقة فتمرّد على «الاستبداد»، ودفع ثمن ذلك نفيًا رمزيًا. هذه الحكاية تُرضي الجميع: تُبرّئ المؤسسات التي تروّجها، تُبسّط التاريخ، وتُبيّض علاقات القوّة. غير أنّ الواقع أكثر فجاجة، وبالتالي أكثر إزعاجًا.

صنصال لم يولد معارضًا، ولم يخرج من الهامش، ولم يُطرد من جامعة أو يُسجن بسبب رأيه. كان جزءًا من الجهاز الإداري للدولة الجزائرية، شغل مناصب عليا في وزارة الصناعة، واستفاد من رمزية الدولة واستقرارها ورأسمالها المعنوي. خروجه من هذا الجهاز في مطلع الألفية لم يُقدَّم يومًا بوضوح للرأي العام. تعدّدت الروايات، وبقي الصمت سيّد المشهد. وهذا الصمت بالذات هو موضع السؤال.

السؤال الذي لا تريد باريس طرحه، لكنّه حاضر بإلحاح في الجزائر: متى ولماذا تحوّل هذا الموظف السامي، في زمن قياسي، إلى صوتٍ منسجم بالكامل مع السردية الفرنسية الأكثر عداءً للجزائر، والأكثر تساهلًا مع الذاكرة الاستعمارية؟

لا أحد يصير «ضميرًا كونيًا» بالمصادفة. هناك اليوم اقتصادٌ كامل لـ«الانشقاق القابل للتصدير». اقتصاد لا يحتاج إلى عقود مكتوبة، بل يعمل بمنطق الحوافز: دعوات متكرّرة، منابر جاهزة، جوائز، أوسمة، مقاعد أكاديمية. الرسالة الضمنية واضحة: كلّما أكّدتَ ما يريد المركز سماعه، ارتفعتَ في سلّم الاعتراف. ليست مؤامرة؛ إنّه سوق.

تصريحات صنصال العلنية تنتمي بوضوح إلى هذا السوق. حين يصرّح بأن «الخطر الإسلامي أشدّ من فاشية القرن العشرين»، فهو لا يطلق حكمًا أدبيًا، بل يؤسّس تراتبية للشرّ تنسجم تمامًا مع الهواجس الغربية المعاصرة، وتُقصي في الوقت نفسه استمرارية العنف الاستعماري من أيّ مساءلة. وحين يتحدّث عن «عجز العالم العربي عن حسم علاقته بالدين والحرية»، فهو يعتمد خطابًا ثقافويًا تعميميًا، لا يقابله أيّ نقد موازٍ لدور القوى الاستعمارية في تشويه هذا العالم وإعاقة تطوّره.

الأخطر من ذلك هو القياس المتعمّد بين الإسلام والنازية. هذا التشبيه لا يهدف إلى التفكير، بل إلى نقل مركز الشرّ من التاريخ السياسي إلى “الجوهر الحضاري”، وتحويل قضايا الهيمنة والاستعمار إلى علل ثقافية داخلية. وهنا تصبح «الكلمة الجزائرية» أداة مثالية في خطاب فرنسي مأزوم بعلاقته بماضيه، لأنّها تُقدَّم بوصفها شهادة من الداخل، بينما هي مُعاد صياغتها وفق حاجات الخارج.

زيارة القدس سنة 2012 لم تكن تفصيلًا بريئًا. يمكن الدفاع عن الحقّ الفردي في التنقّل، لكن لا يمكن إنكار حمولة الرمز. تلك اللحظة مثّلت قطيعة نهائية مع الفضاء العربي والجزائري، وأكّدتها عبارته: «لا حساب لي مع العالم العربي». عندها لم يعد الكاتب يتكلّم من داخل جرحٍ مشترك، بل من موقع خارجي متعالٍ.

منذ ذلك الحين، تسارعت مسيرة التكريس الغربي. جوائز وأوسمة وعضويات، لا لأنّ النصوص أحدثت ثورة جمالية أو لغوية، بل لأنّها طمأنت. لأنّها أكّدت. لأنّها لم تُجبر فرنسا يومًا على مواجهة أرشيفها، أو الاعتراف بجرائمها، أو مساءلة استمرارية نظرتها الاستعلائية. كلّ القسوة وُجّهت إلى الجزائر، إلى الإسلام، إلى الذاكرة الوطنية، إلى «الفشل ما بعد الكولونيالي» المزعوم.

في الجزائر، تُقرأ هذه الجوائز قراءة مختلفة: لا بوصفها اعترافًا أدبيًا، بل إشارة سياسية. هذا هو الجزائري الذي نريده. الذي يؤكّد سرديتنا. الذي يهاجم بلده نيابة عنّا. وفي المقابل، تُقدَّم الجزائر ككيان متخلّف، عنيف، غير قادر على التفكير خارج الفشل. وحين يرفض الجزائريون هذه الصورة، يُتّهمون بالرقابة والهمجية. الانقلاب كامل.

فرنسا لم تتوقّف يومًا عن العمل على تشويه صورة الجزائر: عبر الإعلام، والمناهج، والصمت عن الجرائم، والتلاعب بالأرشيف. لكن حين يُعاد إليها المرآة، تصرخ. المرآة لا تكذب. إنّها تُظهر دولة لا تزال بحاجة إلى «جزائري مُعتمد» كي تواصل تبرئة ذاتها.

يريدون تجريم كلمة «خيانة» وحصرها في المحاكم ووصمها بالعاطفية. هذا تهرّب. في سياقٍ استعماري، الخيانة ليست شتيمة؛ إنّها فئة تاريخية. تتحقّق حين يُراكِم فردٌ رأسماله من وطنه، ثمّ يعود ليحاكمه من منصة جلّاده السابق.

الخلاصة موجعة، لكنّها ضرورية:
بوعلام صنصال ليس كاتبًا كبيرًا. إنّه كاتب وظيفي.
نافع لفرنسا لم تهضم بعد سيادة الجزائر،
ونافع لمنظومة استعمارية تحتاج إلى وجه «محلي» لتواصل خطابها عن «التمدين».

هذا النصّ لا يدعو إلى المنع ولا إلى الاضطهاد. إنّه دعوة إلى إنهاء الوثنية، إلى التمييز بين الجائزة والقيمة، بين الضجيج والعمق، بين الاستخدام السياسي والموهبة الحقيقية. الجزائر ليست مطالَبة بالتصفيق لمدّعي الادّعاء عليها.

إعادة المرآة ليست كراهية.
إنّها فعل وعي.
والوعي، في زمن الأقنعة، هو أرقى أشكال الكرامة.

مقالات ذات صلة