الرأي

بين أمريكا وفرنسا.. أين الوطن؟

محمد سليم قلالة
  • 2856
  • 15

وكأننا بلا وطن ولا مصالح وطنية.. البعض يرفع يديه بالدعاء لأجل الأمريكان في الزوايا بالسِّر والعَلن لعلَّه يفوز برضا حبيبٍ مُقتدِر، والآخر يبسُطُها اِبتِهالاً لأجل الفرنسيين في المكاتب المُغلقة والصالونات لعل علاقة حُبِّه المشبوه تستمر، وثالث بينهما حائرا قابضا يديه داعيا على كليهما لعله يجد استجابة، بقَدَرٍ… وبينهم جميعا ننسى أنَّ لنَا وطنًا كان علينا أن نَبنيه قبل أي نظر، إنْ شرقا أو غربا أو مع أي مِنَ البشر… فهل من مدّكر؟

بانت خفايا الكثير هذه الأيام بشأن الموقف الذي ينبغي أن تتخذه بلادنا من التَّعامل مع القوى الدولية وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا  ! بدل أن يكون موقفا منطلقا مِن قراءةٍ صحيحة لخصائص الحقائق الوطنية ولموازين القوى الدولية السائدة في العالم وفق حسابات دقيقة اقتصادية وسياسية وجيوبوليتيكية تضع المصالح العليا للوطن فوق كل اعتبار، ها هو يختار بديل الموالاة لهؤلاء أو لهؤلاء. وكان عليه أن يختار بديل صناعة الذات من الداخل والتعامل مع جميع الأطراف على حد سواء، ميزانه الوحيد خدمة المصالح الوطنية وما يعود بالخير على الشعب الجزائري.

لم نعد اليوم نَعْلَم خصائص إستراتيجية البناء الوطني بقدر ما أصبحنا نَعْلَم عن علاقات متباينة لمراكز اتخاذ القرار مع الأمريكان أو مع الفرنسيين، ومحاولات للتوفيق بينهما غالبا ما تكون لذرِّ الرماد في العيون. لم نعد نَسمَع أن مستقبل بلادنا تحكمه سياساتُنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الوطنية، بقدر ما أصبحنا نَعلم أن هذا المستقبل إنَّما هو مرهونٌ بمدى علاقتنا مع الأمريكان أو الفرنسيين. أصبح العامل الخارجي هو المحدِّد الأول لسياستنا الداخلية وليس العكس، على خلاف ما ينبغي أن يكون، وكدنا نعتبر هذه مُسَلَّمة لا نقاش فيها، وكأننا رَهَنَّا القرار الوطني أو أوصلناه إلى حالة من العجز أصبح معها غير قادر على التحرك بغير إيعاز من القرار الدولي! واعتبر البعض مِنَّا هذا سياسة رشيدة! وجادل آخرون أننا بدونها لا يمكن أن نعرف الاستقرار، في محاولة لإرباك كل محاولة مُستقلة لبناء الذات والذَّود عن السيادة الوطنية بواقعية ومن غير أيِّ  شططٍ تجاه الانغلاق الكلي على الداخل أو الانفتاح التام على الخارج.

لقد تم إيقاعنا في مَصْيَدَةِ الخضوع للمتغير الخارجي كمتغير أساس في بناء سيادتنا الوطنية، وأُجْهضَ ذلك الجهد الكبير الذي بَذلته الحركة الوطنية وثورة التحرير الكبرى، لكي نستقلّ بقرارنا السيادي عن الشرق والغرب، وتم التلاعب بمراكز القرار الوطني إلى درجة أن أصبح حتى موقف الحياد ـ الذي مازالت بعض بذوره حيّة في سياستنا الخارجية ـ موقفاً غير سليم. لقد فُرِض علينا أن نكون منحازين إلى الفرنسيين في مجال التجارة الدولية، وإلى الأمريكان في مجال التنقيب واستخراج وتسويق البترول والغاز، وإلى الروس في مجال التسلُّح، وإلى البقية الباقية في ما بَقِيَ من فُتات في التجارة أو الاستثمار. بما يعني أننا مُنِعنا وبخاصّة خلال العقود الأخيرة من أن نَبني وطننا كما نريد.. وسارت مراكز القرار الرئيسة في هذا الاتجاه إلى أن وصلنا إلى مرحلة الدعاء للأمريكان بالنصر من قبل البعض، والابتهال للفرنسيين بالمحبّة بالنسبة للبعض الآخر، والتردد بين هؤلاء وهؤلاء لمن بقيت بداخلهم بعض بذور الوطنية حيّة.

وها هي اليوم القوى التي ترى نفسها فاعلة وتضع نفسها في مستوى القرار لم تعد تبدو أنها تدافع عن وطن أو تسعى لبناء وطن بقدر ما أصبحت تسارع إلى التعجرف بإبداء ميلها لهؤلاء أو لهؤلاء… أين هي مؤشرات الوطنية في مجال التربية والطاقة والصناعة والتجارة انطلاقا من طبيعة السياسات المعتمدة فيها، وأحيانا انطلاقا حتى من رمزية أعلى مسؤول فيها؟ ما الذي يجعلنا نحاول إرضاء الفرنسيين في مجال التربية والاستثمار، وإرضاء الأمريكان في مجال الطاقة، وإرضاء كل قوة دولية لديها مصالح في بلادنا دون مراعاة أولوية الوطني على الأجنبي والداخل على الخارج على حد التعبير الكلاسيكي لقياداتنا التاريخية في مؤتمر الصومام؟

ما الذي يجعلنا نحاول إرضاء الفرنسيين في مجال التربية والاستثمار، وإرضاء الأمريكان في مجال الطاقة دون مراعاة أولوية الوطني على الأجنبي والداخل على الخارج على حد التعبير الكلاسيكي لقياداتنا التاريخية في مؤتمر الصومام؟  

ألا يُعدُّ هذا تراجعا عن الخط الوطني الأصيل للثورة التحريرية وعن تطلعات الشعب الجزائري الذي يريد أن يكون حرا من كل قيد للأجنبي؟

أليس من واجبنا اليوم أن نقول إنه علينا تصحيح هذا الخلل في سياستنا الداخلية والخارجية، وأنه علينا فيما بقي لنا من وقت أن نتدارك ما أصابنا وسياساتنا المختلفة من انحراف؟ هل فقدنا الإحساس بأننا نمتلك مقوِّمات الدولة الحقيقية القادرة على التعبير عن سيادتها والتعامل مع الآخر وفق منطق مصالحها الوطنية؟ أم أن الكثير من القائمين على شؤون هذه الدولة هم أدنى من مقدراتها بما جعلهم يُفقِدونها القدرة على أن تكون في  مستوى هذه المقدرات؟

بلا شك نحن نعيش في عالم متضارب، تمركزت فيه القوة وتركزت في أيدي أقطاب محدّدين علينا التعامل معهم بحذر، ولكن هذا لا يعني البتة أنه على الدولة الوطنية أن تضمحلّ أو على مبادئ الاستقلالية وعدم الانحياز أن تندثر. 

إن العالم بقدر ما هو يتمركز اليوم هو يتفتّت، وبقدر ما هنالك من عَوْلَمة للاقتصاد العالمي هناك عودة للخصوصية، وبقدر وجود ثقافات مهيمنة، ولغات مسيطرة، هناك أكثر من فرصة للثقافات المحلية وللّغات الصغرى أن تنبثق… العالمية أو الكوكبية أو العولمة لا تعني قطّ أن الوطنية ستنهار والخصوصية ستذوب، والقرار الوطني سَيتَفَتَّتْ، عكس ذلك ليس علينا سوى أن نفهم أن هذه العالمية الشاملة إنما تَحمِل بداخلها بذور انفجارها، مما سيُمَكِّن الخصوصية من أن تبرز من جديد.. وبدل أن نزعم أن نهاية الوطنية قريبة لنرتمي ونحن في حالة أخيرة من اليأس في أحضان الأمريكان أو الفرنسيين، علينا أن نقرأ قراءة صحيحة الفكر المستقبلي الأمريكي والفرنسي وغيره، من “دانيال بال” إلى “اندري مالرو” ومن “الفين توفلر” إلى “ادغار موران”، ومن “صمويل هتنغتن” إلى “تيري غودان”… ونكتفي بتأكيدهم جميعا أن الأوطان والأيديولوجيات والأديان والخصوصيات لن تموت.. فقط هي الإرادة الوطنية الضعيفة التي تقتلها جميعا، ونحن لا نريد لإرادتنا أن تضعف لتقتل وطننا، فقد صَنَعها رجالٌ مخلصون منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلا.

حقيقة لقد تمّ إيصال بلدنا إلى وضع حرج في موقفه من الإذعان للغرب والتودّد للشرق من أجل البقاء، حقيقة التبعية الغذائية والاقتصادية أنهكتنا، والتبعية التكنولوجية أبعدتنا عن الالتحاق والتطور، والتبعية الثقافية غرّبتنا، والتبعية السياسية هي أم التّبعيات، إلا أننا مازلنا نَملك كل القدرات الكافية التي تُمكِّننا من تدارك ما فات والشروع من جديد في إعادة بناء الوطن.

لم ينته كل شيء ولسنا أسوأ حالا من تلك المرحلة التي سبقت انطلاق آبائنا لأجل تحرير الوطن.

اليوم خبرتنا أكبر ومقوّمات القوة لدينا أكبر، والأهمّ من ذلك قادرون على صوغ رؤية أوضح.. فقط، هم من غرسوا في عقولنا أننا لا نصلح لأي شيء ولا يُمكننا بناء هذا الوطن.. هم، لا تعني الأمريكان ولا الفرنسيين، إنما هؤلاء الذين مازالوا يَدْعُون للأمريكان بالنصر، ويبتهلون للفرنسيين بدوام الحبّ المشبوه.

مقالات ذات صلة