بين دعوات ترحيل الحاكم الكفيف وموالاة الدجال الأعور
على غرار قصة ضفدع المخبر الذي يسلق وهو لا يعلم أنه يسلق، أصبح الضفدع العربي الذي وضعه الغرب داخل قدر نصب على نار هادئة لا يعلم أنه يسلق، لأن أجيالا من الشعب العربي لم تعد تملك عقيدة قتالية سليمة تعرفها بالعدو الحقيقي، فتاهت في معارك جانبية قد أصبح العدو فيها صديقا، وحليفا يجوز مولاته للفتك بالشقيق، والشقيق صار عدوا يجوز الاستعانة عليه بأساطيل الأولين والآخرين بإفتاء شرعي من علماء الأمة.
.
البحث عن تجديد العقيدة القتالية للضفدع العربي المسلوق
الآن وقد انزلقت اليمن إلى أوحال الحرب الأهلية بعد ليبيا، وربما قد تلتحق سوريا بالركب، فلا بد على الذين باركوا حراك الشارع العربي قبل تدبر مآلاته أن يبدؤوا في مراجعة أظن أنها سوف تكون مؤلمة، مقترنة بخيبة أمل وحيرة، وربما بمخاوف تتجاوز ما كان عندنا من مخاوف حين كان الشارع العربي يغظ في سبات عميق، ذلك لأن مسار الحراك الشعبي في العالم العربي، كان منذ البداية حلقة في سلسلة متصلة الحلقات من أعمال “الفوضى الخلاقة”، والفتن المستدامة المسلطة على العرب تحديدا، والمسلمين على وجه العموم، ولا دخل هنا لما يقال عن ثقافة المؤامرة، فتلكم هي لعبة الأمم خاصة حين تكون إدارة وتوزيع أوراق اللعبة بأيدي حضارة ولدت في الدم، ونمت بالافتراس.
ثعلب ماكر يسرح براعي أهبل
لن أعكر على القارئ مجددا مزاجه المتوتر أصلا، حاله كحال أي مواطن عربي من البحر إلى البحر، بتذكير مستفيض بالعشرات من الشواهد من إحداث العقدين الماضيين، لكني أدعوه قدر المستطاع إلى متابعة الأحداث على ما تيسر له من وسائل الإعلام، وبجانبه ورقة وقلم، وخارطة للمعمورة، ثم يقوم بإنجاز جرد يومي منتظم فقط لأحداث القتل، والتخريب، والترويع والتهجير التي يتعرض لها يوميا الوطن العربي. وأنا على يقين أنه سوف يلتحق بالقلة التي ترى أن العالم العربي يتعرض لحرب حقيقية مدمرة، لا تختلف عن أي حرب تقليدية مفتوحة، إلا من حيث أنها حرب غير معلنة، ماكرة، مخادعة، تحرمه من فرصة المواجهة والمقاومة بما تيسر من القوة، بل انه لا يعلم أنه داخل أتون الحرب منذ عقود، وأن حاله كحال ذلك الضفدع في المخبر، الذي وضع في قدر على نار هادئة، تسعر النيران من تحته بمقدار معلوم، حتى تصل إلى درجة الغليان، والسلق، وربما درجة الشي، وهو لا يعلم، وقد تكيف جسمه مع الارتفاع المتدرج في درجات الحرارة.
كنت إلى وقت قريب أراهن على الوقت لتفتضح خيوط المؤامرة، التي رتبت للشعوب العربية عبر هذه الثورات البائسة، ليحين الوقت الذي تلتفت فيه أخيرا الصفوة من قادة الرأي إلى خيوط اللعبة، والتعرف على اليد التي تمسك بها وتحركها ذات اليمن وذات الشمال، ثم تسارع في الحد الأدنى إلى إعادة توجيه حراك الشارع العربي، بعيدا عن الإدارة الغربية الماسكة بالخيوط في كل شارع عربي، من بنغازي إلى تعز، ومن عدن إلى درعا، بعد إن نجحت في خداع الرأي العام العربي في تونس ومصر، عبر انقلابين عسكريين حسمت بهما اللعبة لتستحكم الخدعة.
.
حكماؤها سفهاؤها
أخطر من الخدعة، ما نتج عنها من نماء وهم خرافي عند الشعوب العربية، وقد أوحت لها أحداث ترحيل بن علي ومبارك أن فرص التغيير متوفرة، وأن إمكانيات النجاح في ترحيل ما بقي من الحكام العرب قائمة، وأنه حيث لا يمتلك الغرب خيوط تماس وتواصل مع القوى الصلبة في الجيش والأمن ليعيد إنتاج سيناريو تونس ومصر، فإنه لن يتردد في إرسال بوارجه وطائراته لترجيح كفة الشعوب المنتفضة الثائرة، وحسم الموقف كما يفعل منذ ثلاثة أشهر في الجارة ليبيا.
كان هذا ما منيت به النفس، وراهنت عليه في السر والعلانية، وقادني إلى العزوف عن متابعة الأحداث في ليبيا واليمن وسوريا بالتحليل، تجنبا للدخول في جدال عقيم مع جانب من القراء أعاب علي موقفي المتحفظ من هذا الربيع العربي، الذي أراه يتحول إلى شتاء قد تلبدت سماؤه في الاتجاهات الأربع، وقد التمست الأعذار للقراء، وهم كما هم، قد حاصرهم ذلك الإجماع الحاصل عند قادة الرأي بمختلف مشاربهم، حتى أن أكثر الجمل المشتركة في الردود على ما صدر لي من مقالات هي: من تكون أنت حتى تسفه رأي كبار شيوخ الإسلام، وأقطاب الفكر العربي، والصفوة من الأقلام في الإعلام العربي؟
.
آلة إبصار للكشف عن الدجال الأعور
لقد سبق لي أن اعترفت بكل تواضع، أن الكثير من أقطاب هذه الصفوة، كانوا لي قدوة، أستنير بما بدا لي عندهم من علم وسعة إطلاع لا أدعيها لنفسي، وما كان لي أن أرفع الصوت في مجالسهم، لولا أني أدركت في وقت مبكر، وأنا صبي بأحد مداشر بادية الجزائر زمن الاحتلال، أدركت مقدار الهمجية والبربرية التي يعاملنا بها الغرب، والتي نتجاوز حدود القسوة التقليدية التي تميز أية قوة استعمارية تقليدية. وأعترف أنني أحمل في قلبي كراهية وبغضا لكل ما يتصل بالغرب، وقد رأيته يقف بلا تردد إلى جانب قوة الاحتلال في بلدي، ثم رأيته طرفا مخاصما في جميع المواجهات والحروب التي فتكت بالأمتين العربية والإسلامية في العقود الخمس الماضية، وهو شعور بالكراهية مبرر لعالم غربي، لم يبذل أدنى جهد لإخفاء عدائه وكراهيته المرضية للعرب والمسلمين في كل ما يصدر عنه: في السياسة والدبلوماسية، والإنتاج الفكري والسينمائي والفني، لا يمكن لمليون خطاب لهذا الدعي أوباما أن يغير من تأثيراته المدمرة مقدار حبة من خردل، وقد رأيت فيه صورة من صور الدجال الأعور الذي يفترض من كل مسلم يثق بصدق ما جاء على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم، أن يقف منه ذات الموقف المفترض من دجال آخر الزمان، فلا تخدعه جنته الكاذبة، ولا يرهبه تغيض ناره.
.
البحث عن عقيدة قتالية للشعوب
في إحدى المقالات السابقة، كنت قد ألمحت إلى واجب توسيع مفهوم “العقيدة القتالية” التي تلقن عادة الجيوش، إلى مفهوم أوسع، ينتج ويحرر مفردات “عقيدة قتالية للشعوب” تلقنها باستمرار واجب التعرف على العدو الدائم، والخصوم الظرفين، وتجعلها دائما في حالة يقظة حيال كل ما يصدر من ذلك العدو. والحقيقة أنني لست من ابتكر هذا مفهوم العقيدة القتالية للشعوب ـ وإن كنت قد صغت له العنوان ـ بل أعتقد أنه بوسع القارئ المسلم أن يفتح الآن المصحف الشريف، وفي ذهنه البحث عن سند قرآني لما يمكن أن يعرف بلغة العصر بالعقيدة القتالية للشعوب، ثم يتدبر المحكم من الآيات، ويعيد قراءة ما أمر به المسلم تحديدا جهة المشركين من النصارى واليهود، ليكتشف ما يحتاج إليه لبناء تصور إسلامي لعقيدة قتالية متماسكة للشعوب، وقد عرفت العدو الدائم، وصرفتنا إلى واجب الحذر والحيطة، وحرمت موالاته في ما ظهر منه وعنده من خير وشر وما بطن، وقد عودنا على الشر منذ فجر الإسلام.
.
لا يعرف جهنم إلا من جهنم
العسكريون يعلمون أن أول بند يعلم للجيوش في سياق تثبيت عقيدتهم القتالية هو تحديد العدو الإستراتيجي الذي يشكل على الدوام تهديدا لأمن ومصالح البلد، وما دمنا أمام تهديدات موجهة لأمة وليس لأمن قطر من الأقطار المنشغلة باستعداء الشقيق والجار، والجار الجنب من أبناء رحم واحد، وملة واحدة، فإن الحاجة تبدوا ماسة لتعريف شعوبنا العربية والإسلامية بعدوهم الإستراتيجي الحقيقي الذي يهددهم في أوطانهم، وأمنهم، وأرزاقهم، ويكاد لا يخفي نواياه التي تتجاوز حدود التحكم في مصائرنا إلى التدبير لإفنائنا متى تهيأت الفرصة، فناء ماديا إن أمكن أو معنويا بتفكيك مقومات الهوية والعقيدة، أو على الأقل إحالتنا إلى شعوب فاقدة للثقة في النفس، واهية، ضالة لا تقوى على تدبر اليوم التالي.
في أحسن الأحوال استطاع الفكر والقومي والإسلامي أن يتفق على تعيين الكيان الصهيوني كعدو للأمة، ودخل بنا في صراع وقتال متقطع مع الظل ليترك العدو الحقيق الإستراتيجي للأمتين العربية والإسلامية يسرح ويمرح ويقود حربه القذرة في أكثر من جبهة. يكفيني في هذا السياق أن أحيل القارئ على مقياس واحد يتدبر به العدو ليرى كم قتل الكيان الصهيوني من العرب والمسلمين في العقود الستة التي تلت النكبة، وكم قتل الأمريكيون في ثلاثة أسابيع من استباحة العراق، أو أفغانستان، وكم قتل وجرح وشرد على يد الأمريكيين وحلفائهم من الغرب منذ أحداث 11 سبتمبر؟ وقد سبق للشاعر الألماني الفذ أن لخص الأمر في جملة واحدة: لا يعرف جهنم إلا من زار جهنم.
.
أسامة الذي أخرج من الرمل رأس النعامة
مع كل التحفظات التي قد يراها البعض على أعمال الشيخ أسامة بن لادن، فإنه ساعد على تحرير مقدمة جيدة لما أصفه بالعقيدة القتالية للشعوب حين انصرف عن مطاردة الظل إلى تعقب الفريسة، وجعل من استعداء الولايات المتحدة والغرب الصليبي هدفا لما كان يراه جهادا مبررا شرعا، واستحق لأجل ذلك كل ذلك العداء الغربي والاستنفار الغير محدود للقوة الغربية الصلبة والناعمة وكأنه بات قوة عظمى قد أنست الغرب كل محاور الشر التي صنعوها وسوقوها لشعوبهم. لم يكن ذلك من قبلهم محض مبالغة بتهديد لا يملك صاحبه وسائله، بل لأنهم رأوا فيه الفكرة التي لا ينبغي بحال من الأحوال أن تنتشر بين الشعوب العربية والإسلامية، وتوقظ النيام، وتلهم من يرغب في قتال العدو الحقيق للأمة.
أسئلة ما فتئت تؤرقني: كيف صارت أجزاء من الشعوب العربية الساقطة تحت الاحتلال تصف قوة الاحتلال بالقوات الحليفة أو الصديقة كما يفعل البعض في العراق وأفغانستان؟ أو يفعل اليوم فريق من المتردين في ليبيا مع قوات حلف النيتو وهي تدك مدن ليبيا على مدار ساعات الليل والنهار؟ كيف سيتدبر أولاد هذا الجيل مع أعدائهم في المستقبل إذا كان الآباء يصفون من قتل مليون ونصف مليون عراقي يصفونه بالقوة الصديقة؟ ومن سينهض منا أو من أبنائنا للقتال غدا حين تستباح دولنا وسوف تستباح إن عاجلا أم آجلا ومشايخنا قد أفتوا بتحليل عدوان النيتو على ليبيا كما أفتلا غيرهم من قبل بجواز قتال العراقيين جنبا إلى جنب مع الأمريكان والغرب؟
.
“الرومي” الذي لم يغادر ديار العرب
منذ ستين سنة خلت، لم يكن بالدشرة التي ولدت بها زمن الاستعمار الفرنسي، لا صحافة ولا تلفاز ولا مدرسة ولا خط اتصال مع العالم الخارجي، ومع ذلك تلقيت من المرحوم والدي ما يمكن اليوم أن أصنفه مدرس مختصر في العقيدة القتالية. فقد كان هو وأهل الدشرة لا يتحدثون عن المستعمر من العسكر والمدنيين سوى بعبارة “الڤاوري” أو “الرومي” لترسخ في ذهني صورة العدو، الكيان الآخر الذي يريد الشر بالدشرة، وقد كانت هي كل عالمي وأنا في أتدرج في السنة الرابعة، ومازلت بعد 54 سنة، لتتجدد عقيدتي وأنا اكتشفت جغرافية أمتي المترامية الأطراف على أن عدوي وعدو أمتي هو “الڤاوري ـ الرومي” الذي أتابع مذابحه في العراق وأفغانستان وقد امتدت آلته الفتاكة إلى الجارة ليبيا بمباركة من شيوخ الأمة.