بين عمر شريف وإدوارد سعيد
ما الذي يمكن أن يجمع كلا من إدوارد سعيد وعمر شريف؟ في الواقع، أشياء كثيرة؛فالرجلان هما أشهر فلسطيني، وأشهر مصري في العالم الغربي،وهما ينتميان لخلفية اجتماعية متشابهة، وعاشا السواد الأعظم من حياتهما مفتقدين لأي انتماء للمكان.
ولد إدوارد سعيد في القدس لأسرة مسيحية ثرية، قبل أن يتعرض مع أبناء جيله للتهجير بعد حرب 1948، وكان ميشال شلهوب، الاسم الاصلي لعمر شريف، مسيحيا هو الآخر قبل أن يسلم في شبابه للزواج من فاتن حمامة، كما أنه نشأ هو الآخرفي عائلة ميسورة من أصول لبنانية.وقد جمعتهما معا الدراسة في فيكتوريا كوليدج في بداية الخمسينيات، وهي مدرسة ثانوية بريطانية في القاهرة، يرتادها أبناء الطبقات الراقية من مصر وباقي دول المشرق. وعلى خلاف ما قد يعتقد، كان سعيد طالبا مشاكسا وقليل التركيز، مما اضطر أهله لإعداد برنامج دروس تكميلية قاس له في البيت، أما شلهوب، فقد جعلته مؤهلاته الدراسية، وبراعته الفائقة في التملق، رئيسا للطلبة في الثانوية، وكان سعيد معجبا بإنجليزيته الخالية من العيوب، غير أن قدرا غير قليل من العجرفة كان يميز شلهوب، وقد ذاق منها سعيد مرة صفعتين مجانيتين لأنه كان بصحبة طالب سولت له نفسه أن يسخر من الفتى القوي في المدرسة.
بعد الثانوية، وبعد الاضطهاد الذي نال الطبقة الارستقراطية في مصر عقب ثورة يوليو 1952، اختار الرجلان الولايات المتحدة ليبدءا حياتهما الجديدة، في طريقين مختلفين تمام الاختلاف، وقد ابتسمت الفرص لعمر شريف بسرعة، فبعد دورين مميزين في “لورنس العرب” و”دكتور زيفاغو” صار العربي القادم من الشرق بحلول بداية الستينيات اسما لامعا في هوليود وباريس وروما، حيث ستمضي مسيرته في التمثيل مستقبلا، أما إدوارد سعيد، وعلى الرغم من أنه أكثر وسامة من عمر شريف، فقد اختار المجال الأكثر كآبة بين مهن الأرض: الأكاديميا، وانتظر إلى نهاية السبعينيات حتى يصنع له اسما في “العالم الوقور” بعد أن نشر أحد أهم الكتب في القرن العشرين: “الاستشراق”، وهو الكتاب المؤسس لما صار يعرف لاحقا بالدراسات مابعد-الكولونيالية.
لم يكتف الرجلان بما حققاه من نجاح في مجاليهما الأصليين، فقد أصبحا أيضا علمين بارزين في مجالين آخرين: لعب البريدج، والنقد الموسيقي. ويمكنك طبعا أن تحزر بسهولة أن الأول لعمر شريف والثاني لإدوارد سعيد، فالأكاديمي عكس الممثل، سيكون مضطرا للحفاظ على وقاره على الدوام، أما الممثل فهو في الواقع شخص جعلته المقتضيات التجارية شخصا يقتات من هتك الوقار… على كل حال، ليس هذا موضوعنا الآن.
وبمناسبة الحديث عن النجاح والشهرة، تدفعنا حالتا سعيد وشريف إلى التساؤل بجد عن قضية وجودية عميقة: هل ينبغي أن يكون الانسان دائما معرفا بالانتماء إلى مكان؟ إن الذين يعرفون الرجلين خارج العالم العربي لا يعلمون على وجه التحديد جنسيتهما الأصلية، وربما لم يعيروا ذلك اهتماما حتى، وعلى خلاف البيئات الشرقية المتشبثة إلى حد الهوس بالمكان، يميل الناس في العالم الآخر إلى تعريف أنفسهم كأفراد وكمجموعة وفق معيارين أكثر أهمية: الانجاز الفردي، والانجاز الجماعي.
لا معنى لأي مجد ينتسب فقط إلى الجغرافيا، ومهما كان موقعك من العالم، سواء في طرف الأرض، أو في “منطقة استراتيجية مهمة” كما يحلو لنا أن نتبجح باستمرار، فإن معيار المفاضلة “الدنيوي” بين البشر، هو سجلهم الحضاري الراهن المستند إلى العمل الكاد، أما الاستحضار المهيب للتاريخ والجغرافيا في البيئات المتخلفة، فلا يعدو أن يكون، كما يقول الرافعي، كمن يقاتل عدوه، بمائة اسم جعلت للسيف.
عاش إدوارد سعيد حياته في المهجر، وكتب مذكراته تحت عنوان: “خارج المكان”، أما عمر شريف فقد عاش هو الآخر دون عنوان، فلم يملك منزلا ولا هاتفا ولا سيارة، وحمل آخر أفلامه عنوان “المسافر”، وبالرغم من ذلك خلفا إنجازا، في الوقت الذي يتهارش فيه أناس آخرون على قطعة تراب، لا يهنؤون بعد أن يريقوا الدماء في سبيل الحصول عليها، إلا بملئها جورا وفسادا وتخلفا.