“تجريم التسيير” يفجّر الجدال داخل الحكومة
عاد ملف رفع التجريم عن فعل التسيير وضمان الحصانة للمسيرين والمديرين التنفيذيين إلى النقطة الصفر، إذ بعد سنتين من أوامر رئيس الجمهورية المتعلقة بإسقاط التجريم عن فعل التسيير، أرجعت الحكومة في اجتماعها الأخير، الملف مجددا إلى الدراسة بعد أن أثار جدلا واسعا بين أعضاء الحكومة الذين انقسموا إلى طائفتين بخصوص النص الذي عرضه وزير العدل، محمد شرفي، للمناقشة، في وقت مال فيه الجهاز التنفيذي إلى ضرورة رفع درجة تأثير تقارير المفتشية العامة للمالية ومجلس المحاسبة في مجرى التحقيقات، وجعلها على نفس قدر قوة تأثير التحقيقات الأمنية.
وعلمت “الشروق” أن ملف إسقاط التجريم عن فعل التسيير، الذي جر العديد من المسؤولين والمسيرين، كان حاضرا في آخر اجتماع للحكومة، إلا أن النقاش حول الموضوع حال دون حصول مشروع النص الذي قدمه وزير العدل حافظ الأختام على التوافق أو الإجماع، ذلك، لأن الوزراء أبانوا اختلافات وفوارق في وجهات النظر، “فطائفة” منهم اعتبرت إلغاء المواد المدرجة ضمن قانون العقوبات والمتعلقة برفع التجريم عن فعل التسيير تمس في جوهرها ومضمونها بروح قانون مكافحة الفساد والوقاية منه، الذي صدر سنة 2006، وأقر مجموعة من الآليات الكفيلة بمكافحة الفساد، منها إلزام النواب والإطارات العليا بالتصريح بممتلكاتهم.
وهناك من الوزراء من اعتبر إسقاط الأحكام الواردة في قانون العقوبات في شقه المتعلق بتجريم فعل التسيير، إضعافا لآليات مكافحة الفساد، في وقت ذهب أعضاء آخرون في الحكومة إلى أن إسقاط تجريم فعل التسيير في قانون العقوبات لا يتعارض مع النصوص التي أوجدتها الحكومة لقطع طريق الفساد، واستعان هؤلاء في الدفاع عن طرحهم بحالة الانسداد التي أصابت العديد من القطاعات التي أصبح المسيرون القائمون عليها يرفضون تحمل المسؤولية الجزائية في التوقيع على مشاريع تجرهم إلى أروقة العدالة .
وبين الأراء المنتقدة لنص وزير العدل وبين المستحسنة له، بدا التوافق حول وصفة خاصة لتوفير “الحصانة” للمسيرين، دون المساس بجوانب من آليات مكافحة الفساد، وذلك بإقرار فعالية أكبر للمفتشية العامة للمالية ولمجلس المحاسبة، وإعطاء التقارير الصادرة عن هاتين الهيئتين القوة الملزمة التي تجعلها مؤثرة ومرجحة وتضاهي في تأثيرها على الفصل في قضايا الاشتباه نفس المفعول الذي تفرزه تحقيقات وتقارير المصالح الأمنية.
تطبيق قرار رئيس الجمهورية المتعلق بإسقاط التجريم عن فعل التسيير اصطدم بإجراءات بيروقراطية، مددت لبقاء الغطاء القانوني المتعلق بهذه المسائل والذي يندرج في إطار تبديد المال العام وإبرام عقود مخالفة للقانون، وفي خضم الجدل الدائر حول المسألة ذهبت بعض الآراء في اجتماع الحكومة إلى أن عمل التسيير ليس من اختصاص العدالة ويفترض في حالة وقوع الخطإ، الاحتكام إلى الإجراءات التأديبية كتخفيض رتبة رئيس المؤسسة المخطئ أو تنحيته من منصبه، خاصة وأن المتابعين للشأن الاقتصادي يرون أنه يستحيل أن يخلو فعل التسيير من الأخطاء.
وبعيدا عن جدل الوزراء بخصوص القضية، والعلاج الذي ستصفه وزارة العدل لعلاج الداء، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: كيف يمكن الموازنة بين تقارير المفتشية العامة للمالية ومجلس المحاسبة اللذين يعتبران في الرواق الأحسن لتقييم الخطإ في التسيير وبين تقارير المصالح الأمنية؟