-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تحوّل السلطة بين الداخل والخارج‮.. ‬توافق أم صراع؟

تحوّل السلطة بين الداخل والخارج‮.. ‬توافق أم صراع؟

تعرف الدولة الوطنية في‮ ‬الجزائر بدايةً‮ ‬حقيقية للتحول في‮ ‬السلطة،‮ ‬من نظام سياسي‮ ‬صنعته بالأساس تطوراتٌ‮ ‬لاحقة لثورة التحرير الوطنية،‮ ‬إلى نظام سياسي‮ ‬سيكون نتيجة تطورات لاحقة لمرحلة ما بعد تعددية سياسية،‮ ‬أفرزت صراعا دمويا دام عشر سنوات،‮ ‬ورخاءً‮ ‬مالياً‮ ‬أعاد تشكيل النخب الحاكمة والفئات النافذة ماليا‮.. ‬يجري‮ ‬كل هذا ضمن ظرف دولي‮ ‬تسعى خلاله القوى الكبرى إلى إعادة تشكيل ما تُسمّيه الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ضمن خارطة جديدة بعد مرور قرن كامل على اتفاقيات سايكس بيكو التي‮ ‬صنعت الخارطة التقليدية للمنطقة،‮ ‬وحافظت على توازناتها إلى حد اليوم،‮ ‬ما الذي‮ ‬سيحدث،‮ ‬من‮ ‬يقوده؟ وما الذي‮ ‬علينا تجنبه؟

كل المؤشرات تدلّ‮ ‬على أننا سندخل مرحلة جديدة من تاريخنا الوطني‮ ‬السياسي،‮ ‬الجيل الحاكم باسم الشرعية الثورية لا‮ ‬يريد أن‮ ‬يَفلت من بين‮ ‬يديه الانتقال،‮ ‬يسعى بكل الوسائل أن لا‮ ‬يُصادَر منه تاريخه،‮ ‬وأن لا‮ ‬يُنتَزع منه ذلك الرصيد الذي‮ ‬أعتقد أنه لن‮ ‬يَنفد لقرون من الزمن،‮ ‬ولا‮ ‬يريد أن تكون نهايته الاعتراف بهزيمته أمام مَن كانوا باستمرار لا‮ ‬يؤمنون بالجزائر‮ ‬غير الفرنسية،‮ ‬وبَقوا ضمن صفوفه‮ ‬يَعتقد أنه‮ ‬يستخدمهم وهم من كانوا‮ ‬يستخدمونه للوصول إلى لحظة التحول هذه التي‮ ‬يُصبح بالإمكان الحديث فيها عن عودة الجزائر الفرنسية،‮ ‬وما تصريحات اليمين الفرنسي‮ ‬الأخيرة‮ (‬ساركوزي،‮ ‬لوبان‮…) ‬إلا تعبيرٌ‮ ‬غير مباشر على ذلك‮.‬

أما الجيل الذي‮ ‬وُلد قُبيل أو بعد الاستقلال،‮ ‬فلم‮ ‬يتمكن من معرفة الطريق التي‮ ‬يَفرِض من خلاله وجوده،‮ ‬هَرِم بين خياري‮ ‬استلام زمام الأمور بيده ذات‮ ‬يوم بوسيلة أو بأخرى،‮ ‬أو تسريحه من الخدمة باعتبار مهمته‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تتوقف عند مستويات التحضير للقرار أو تنفيذه دون اتخاذه أو التحكّم فيه،‮ ‬ويكاد‮ ‬يشعر اليوم أنه إلى البديل الثاني‮ ‬أقرب،‮ ‬مما سيحرمه من المساهمة في‮ ‬صناعة مستقبل بلده ناهيك عن إحداث تحوّل للسلطة فيه‮… ‬

في‮ ‬حين اُعتبر الجيل الذي‮ ‬وُلد بعد مرور أكثر من ربع قرن على الاستقلال،‮ ‬بأنه جيل كل المتناقضات المانعة لأن تصنع منه العنصر القادر على قيادة تحّول جديد في‮ ‬السلطة،‮ ‬فهو إما تَربَّى على هَول الإرهاب والتخريب،‮ ‬أو عاش في‮ ‬حقبة كل شيء‮ ‬يُباع فيها ويُشترى بالأموال الوسخة أو المنهوبة،‮ ‬إلى أن فقد كل توازن في‮ ‬منظومة القيم وأصبح‮ ‬غير قادر على التفكير في‮ ‬إعادة صياغة السلطة من جديد خارج سلطة المال وبعيدا عن استخدام كافة أساليب الفساد التي‮ ‬كادت تُصبح عنوان مرحلة بكاملها‮…‬

وهكذا نجد أنفسنا،‮ ‬ونحن على أبواب تحول عميق في‮ ‬السلطة،‮ ‬مجتمعا تتعايش فيه وبصعوبة ثلاثة اتجاهات تمثل ثلاث مجموعات متمايزة من حيث الإدراك السياسي‮ ‬لمستقبل البلاد،‮ ‬وطبيعة القيم التي‮ ‬تحملها،‮ ‬والقدرة على المبادرة واتخاذ القرار،‮ ‬هذه الاتجاهات الثلاثة‮ ‬ينبغي‮ ‬التعامل معها لإحداث التحوّل المنشود في‮ ‬السلطة سواء نحو الأسوأ أو نحو الأفضل‮.‬

‬إن وضعنا الداخلي،‮ ‬والوضع الجيوسياسي‮ ‬الخارجي،‮ ‬والتوافق الدولي‮ ‬بشأن طبيعة التحوّل الذي‮ ‬سيحصل ببلادنا‮ ‬يضطرنا إلى ضرورة القيام بقراءة صحيحة لذلك قبل أي‮ ‬قرار،‮ ‬والقراءة الصحيحة تستلزم التصرف السليم بعيدا عن أي‮ ‬انزلاق من شأنه أن‮ ‬يربك معادلة الداخل ـ الخارج التوافقية لحد الآن‮.‬

يبدو أن القوى الخارجية التي‮ ‬تسعى إلى إعادة ترتيب المنطقة بما‮ ‬يخدم مصالحها،‮ ‬تدرك طبيعة هذه الحقائق الداخلية وتسعى إلى دفعها نحو مخرجات تخدمها،‮ ‬وهو الأمر الذي‮ ‬يجعل كل تصور لمستقبل السلطة في‮ ‬بلادنا رهينا،‮ ‬في‮ ‬حدود كبيرة،‮ ‬بهذا الفعل الخارجي‮ ‬الذي‮ ‬سيتم بالتوافق أو بالتناحر‮.‬

ولعل هذا ما‮ ‬يحدث اليوم،‮ ‬حيث أن القوتين الكبيرتين المعنيتين مباشرة بالوضع في‮ ‬الجزائر‮ (‬الولايات المتحدة وفرنسا‮) ‬تعملان لكي‮ ‬يحدث هذا التحول بالكيفية التي‮ ‬لا تضرّ‮ ‬بمصالح أي‮ ‬منهما؛ الفرنسيون‮ ‬يعملون على أن‮ ‬يبقى نشاطهم التجاري‮ ‬قائما في‮ ‬بلادنا وأن‮ ‬يحصلوا على أولوية في‮ ‬الاستثمار،‮ ‬فضلا على مكانة أفضل من تلك التي‮ ‬حددتها اتفاقيات إيفيان بالنسبة لعلاقة فرنسا الثقافية والأمنية مع الجزائر‮ (‬ومنه جاء تصريح ساركوزي‮ ‬بضرورة مراجعتها‮)‬،‮ ‬والأمريكيون لا‮ ‬يريدون أن تَغفل أعينهم على مخزون الجزائر من الطاقة،‮ ‬سواء أكانت بترولا وغازا تقليديا أو صخريا،‮ ‬أو كانت طاقة متجددة‮ (‬شمسية‮) ‬مصدرها الصحراء الكبرى،‮ ‬بما‮ ‬يتطابق مع إستراتجيتهم الكونية القائمة على التحكم في‮ ‬السوق العالمية للطاقة وامتلاك مواقع قدم في‮ ‬المناطق ذات الأهمية الجيواستراتيجية لنشاطاتهم العسكرية والأمنية مثل الجزائر التي‮ ‬لا‮ ‬يشكّون في‮ ‬وزنها في‮ ‬هذا المستوى على الصعيد الإفريقي‮ ‬خاصة‮.‬

وبين موقف هاتين القوتين،‮ ‬ومواقف قوى دولية أخرى،‮ ‬لديها مصالح ويهمّها مستقبل السلطة في‮ ‬الجزائر بخاصة روسيا البائع التقليدي‮ ‬للسلاح نحو الجزائر بملايير الدولارات والصين المنافِس الأول للفرنسيين في‮ ‬مجال الاستثمار والتجارة الخارجية،‮ ‬ودول أخرى ذات تطلعات استثمارية كبيرة،‮ ‬سيتحدد مستقبل السلطة فيها،‮ ‬بالتقاطع طبعا مع طبيعة العلاقة بين اتجاهات الأجيال الثلاثة المشكل لديناميكية التطوّر الداخلي‮ ‬للجزائر،‮ ‬وربما ستبرز لنا من خلال هذا وبجلاء أكبر خصائص مرحلة ما بعد مرور قرن عن سايكس بيكو العربية،‮ ‬ولعل أهم خاصية في‮ ‬المرحلة القادمة‮ (‬نتيجة توافر عوامل عديدة،‮ ‬على خلاف دول عربية أخرى‮) ‬أنها لن تتم بالتناحر إنما بالتوافق ما بين القوى الكبرى،‮ ‬مما‮ ‬يجعلنا نعتبر أننا قد دخلنا حقيقة في‮ ‬مرحلة تحول حقيقي‮ ‬للسلطة في‮ ‬بلادنا أصبحت تتجلى في‮ ‬أكثر من إشارة حاملة للمستقبل،‮ ‬يُعبِّر عنها أحيانا بعض السياسيين عن وعي‮ ‬أو عن‮ ‬غير وعي‮ ‬بـ”الدولة المدنية القادمة‮”‬،‮ ‬ويتم فيها تعديل الشكل التنظيمي‮ ‬للمؤسسة الأمنية،‮ ‬كما‮ ‬يجري‮ ‬فيها الإعداد لسيناريوهات التحوّل الاقتصادي‮ ‬بشكل‮ ‬يتطابق مع خصائص المنظور الدولي‮ ‬للمنطقة،‮ ‬كما‮ ‬يجري‮ ‬ترتيب الخارطة السياسية بكيفية مختلفة عن المرحلة السابقة‮… ‬الخ‮.‬

وهي‮ ‬الإشارات التي‮ ‬تكاد تؤكد طبيعة التحول المنتظر في‮ ‬السلطة في‮ ‬بلادنا،‮ ‬تحول لا‮ ‬يتم خارج التوافقات الدولية،‮ ‬ويتجه إلا أن‮ ‬يكون سلميا رغم محاولة بعض الأطراف التهديد ببعض أشكال العنف،‮ ‬أو اللجوء إلى أساليب ضاغطة تستخدم الشارع أو الفئات العمالية المختلفة لتحصيل نقاط على حساب الأخرى‮… ‬وهو ما‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يضطرنا ـ كمجتمع بتشكيلاته واتجاهاته المختلفة وبأجياله الثلاثة ـ لمعرفة ما‮ ‬ينبغي‮ ‬تجنبه والعمل به من خلال تكريس ثقافة التحوّل الحذر للسلطة بدل التحوّل المباغت أو السريع أو القائم على الانكسار الفجائي‮ ‬والحاد‮…‬

إن وضعنا الداخلي،‮ ‬والوضع الجيوسياسي‮ ‬الخارجي،‮ ‬والتوافق الدولي‮ ‬بشأن طبيعة التحول الذي‮ ‬سيحصل ببلادنا‮ ‬يضطرنا إلى ضرورة القيام بقراءة صحيحة لذلك قبل أي‮ ‬قرار،‮ ‬والقراءة الصحيحة تستلزم التصرف السليم بعيدا عن أي‮ ‬انزلاق من شأنه أن‮ ‬يربك معادلة الداخل ـ الخارج التوافقية لحد الآن‮.‬

ربّما توجد بعض القوى التي‮ ‬لا ترغب في‮ ‬أن‮ ‬يتم هذا التحول بسلاسة،‮ ‬ومن‮ ‬غير أي‮ ‬انكسارات مثيرة للقلق،‮ ‬لذا علينا نشر الوعي‮ ‬بضرورة تجاوزها وتجنبها،‮ ‬ليس فقط من قبل جيل الثورة الذي‮ ‬ازدادت مهمة نقله للسلطة صعوبة،‮ ‬أو الجيل الوسيط الذي‮ ‬لم‮ ‬يتمكن من بلورة القيادة القادرة على تمثيله التمثيل الصحيح،‮ ‬أو الجيل الثالث الذي‮ ‬قليلا ما استطعنا فهم توجهاته في‮ ‬ظل ما عَرَف من انقلابات عميقة على مستوى القيم والمبادئ،‮ ‬ناهيك عن التوجهات والخيارات السياسية التي‮ ‬يكاد‮ ‬ينفصل عنها‮… ‬اللهم أحفظ بلدنا من كل سوء‮. ‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • الجزائرية

    وردت الكثير من الأفكار الصائبة في مقالك أستاذ لكن الإسقاطات التاريخية هي بعيدة عن الواقع.فسايكس ـ بيكو هي اتفاقية بين ابريطانيا وفرنسا لاقتسام المشرق العربي والحيلة كانت في وعد برفض الحكم العثماني .لتأسيس الدولة العربية الموحدة بمساعدة ابريطانياو ما خفي هو الإستعمار الذي صدم العرب فيما بعد.أما الغبي ساركوزي فليعد لقراءة اتفاقية إيفيان:مدتها 25 سنة لكن الجزائر المستقلة تحررت من فصولها مباشرة بعد الإستقلال وهي دولة فتيةوصفعت فرنسا المنهزمة التي ظلت تجر ذيول الخيبة بعد كنسها كالطاعون من أرض الجزائر

  • قادة

    الاشكالية في الجزائرليست اشكالية اجيال بل لبها و جوهرها هوطبيعة الانسان.الانسان من طبعه يحب التسلط الذي هوعبارة عن الغريزة الحيوانية في الانسان التي لا تجمحها الا قوة ردع والتي يمثلها العقل في الانسان حتى يفرق عن الحيوان.من حكمواالجزائر بالشرعيات المتتالية وفي مقدمتهم الشرعية الثورية لم يحترمواعقل الانسان لا في انفسهم كحكام نظام ولافي الشعب الذي لولاه لما وصلواالى كانت الشرعيةالثورية التي حكموه باسمها.فبعدم احتكامهم للعقل جعلوا منهغاشي راشي باسم الشرعية واحتقرواعقله وانسانيته وتسلطواعليه وباسمه

  • mimoun

    ما هو ذنب من لم يكن مولودا بعد الاستقلال ,الم تكن صفحته بيضاء اما التلفيق قد يكون ضلما لهذا الجيل. نحن المسلمون لا نقول كما يقول المسيحيون كل مولود يولد مذنبا ,اذا نضرت الى الوراء وما صنع الذين اخذوا زمام الامور بعد الاستقلال ينقلب اليك البصر خاسئا وهو حسير.