الرأي

تحيا البيروقراطية!

جمال لعلامي
  • 2494
  • 6

صدّقوا أو لا تصدّقوا: وزير إصلاح الخدمة العمومية، مصدوم من المستوى الذي وصلت إليه البيروقراطية، فما بالكم يا عباد الله، بإحساس المواطن البسيط من تغوّل هذه البيروقراطية الملعونة؟

والحال، أنه كان بالإمكان استحداث منصب وزير لرعاية أو اكتشاف البيروقراطية، حتى لا يُصدم وزير “الإصلاح” الذي لم يكتشف البيروقراطية إلاّ عندما أصبح وزيرا!

البيروقراطية يا جماعة الخير، متفشية في كلّ القطاعات والمفاصل، وقد اشتكى منها سلال وتبون وبن مرادي، وغيرهم من أعضاء الحكومة، بعدما ثبت بالدليل والبيّنة، أن البيروقراطية تغوّلت وأصبحت “حجرة في سباط” المشاريع والتنمية والبرامج الشعبية!

البيروقراطية هي التي طردت عشرات الأدمغة والكفاءات إلى الخارج، وهي التي دفنت المشاريع حيّة ترزق، وهي التي عطلت الاستثمارات، وهي التي جعلت وزير إصلاح الخدمة يُصدم قبل أن يتسلّم مكتبه!

إصلاح الخدمة العمومية، يجب أن يكون وسيلة وغاية، لإعادة الأمل وقطع دابر اليأس والقنوط والإحباط وسط الأغلبية المسحوقة من جزائريين لم يعد أمامهم بدّا سوى التعايش مع هذه البيروقراطية!

لقد تطورت البيروقراطية وأصبحت خطرا على النظام العام، وفي كثير من الحالات، حرضت الغاضبين على الخروج للشارع من أجل التكسار وإشعال النار وتخريب الديار!

من حقّ وزير الإصلاح أن يعترف بصدمته، لكن من واجبه أن لا يستسلم لهول الصدمة، فيُطلع الحكومة والرأي العام، على خطته لاستئصال البيروقراطية، أو على الأقل التخفيف من آثارها وحجمها.

إن البيروقراطية تحوّلت إلى جزء من يوميات الجزائريين، في الإدارة والعمل والبيت والشارع، وفي كلّ مكان وزمان، حتى أضحى تفكيرنا بيروقراطيا، وأصبحنا بيروقراطيين حتى في إلقاء التحية والسلام!

نعم، لقد احتلت البيروقراطية البلديات وكاتب البريد والبنوك والمستشفيات والقطاعات الوزارية والورشات واجتماعات الحكومة ومجالس الأسر والعائلات، ولذلك من الطبيعي أن يُصدم الوزير المكلف بمحاربة البيرو-قراطية و”الزيرو-قراطية”!

من الصعب القضاء على البيروقراطية، لكن من السهل التأقلم معها، طالما أنها انتقلت من مرحلة العدوى إلى الوباء القاتل..وبين الكوليرا والطاعون، على الضحية أن يختار بأيّ داء يموت!

علينا جميعا أن نعترف بأننا بيروقراطيون، كلّ يمارس البيروقراطية في موقعه وحسب منصبه وصلاحياته، وكلنا يتهم الآخر بالبيروقراطية ويلعنها، لكنه يتعاطى هو الآخر بالبيروقراطية، ربما من باب الثأر والانتقام، وهذه هي الطامة الكبرى!

لم يبق لنا سوى أن نمجّد هذه البيروقراطية اللعينة ونخلق لها عيدا وطنيا ونكرّمها بنياشين التقدير والافتخار، فهي منا ونحن منها، طالما أننا تعايشنا معها بدل أن نحاربها، ووسّعنا خدماتها الجليلة بتفريخ الرشوة والتشيبا!

إلحاق الهزيمة بالبيروقراطية وكسر شوكة البيروقراطيين، لن يكون باستحداث وزارة إصلاح الخدمة العمومية، وإنما بتنظيف العقليات والذهنيات وحماية محاربي البيروقراطية! 

مقالات ذات صلة