ترامب يعلن اعتقال مادورو تمهيدا لمحاكمته في الولايات المتحدة!
مصادر لـ”الشروق” ترجح حصول خيانة داخلية
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، السبت، أنه تم إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته وترحيلهما جواً خارج البلاد، وأشار ترامب أن واشنطن شنت ضربة ناجحة واسعة النطاق ضد فنزويلا وزعيمها.
نفذ ترامب تهديداته التي بدأها قبل أشهر في حق الدولة النفطية الواقعة في شمال أمريكا اللاتينية، حيث حشد آلاف العسكريين وحاملات طائرات في الكاريبي، في مشاهد تستحضر فيلم المغامرات الشهير “قراصنة الكاريبي”، تحت ذريعة محاربة المخدرات لكن كراكاس أكدت أن “ترامب لا يهمه الكوكايين الأبيض بل النفط الأسود تحت أرضنا”.
وكتب ترامب على منصته للتواصل الاجتماعي «تروث سوشيال»: «نفّذت الولايات المتحدة الأمريكية بنجاح ضربة واسعة النطاق ضد فنزويلا ورئيسها، نيكولاس مادورو، الذي أُلقي القبض عليه مع زوجته ونُقلا جواً خارج البلاد»، ورجح مصدر لـ”الشروق”، أن يكون “الاعتقال السهل لمادور قد تم بناء على خيانة داخلية”.
وصرح ترامب لاحقاً لصحيفة «نيويورك تايمز”، بأن الضربات التي شنتها بلاده على فنزويلا والتي أسفرت عن اعتقال مادورو نتجت عن “تخطيط جيد”، وتابع: “كانت عملية بارعة في الواقع”.
وكشفت المدعية العامة الأمريكية أن مادورو، وقرينته سيواجهان اتهامات تتعلق بالإرهاب والمخدرات، عقب لائحة اتهام في نيويورك، مشيرة إلى أنه من التهم التي وجهت إلى مادورو وزوجته التآمر لحيازة أسلحة وأجهزة تدميرية ضد أميركا، وارتكاب جرائم تتعلق بالمخدرات والتآمر لاستيراد الكوكايين، كما تابعت المدعية العامة أن “مادورو وزوجته سيحاكمان قريباً أمام القضاء الأمريكي على الأراضي الأمريكية”.
وكان آخر ظهور لمادرور، ساعات قبل اعتقاله، في لقاء مع وفد صيني، بالعاصمة كراكاس، وقال إن “أمريكا تستهدف خيرات بلاده من النفط والذهب”.
من جهته، أفاد وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو في مقطع فيديو نشر، السبت، إن “بلاده ستقاوم وجود القوات الأجنبية”.
كراكاس تدين العدوان وتتعهد بصده
وأعلنت الحكومة الفنزويلية رفضها وإدانتها الشديدة لما وصفته بـ«العدوان العسكري بالغ الخطورة» الذي نفذته الولايات المتحدة الأمريكية ضد أراضيها وسكانها، معتبرةً أن الهجوم استهدف مواقع مدنية وعسكرية في العاصمة كاراكاس، إضافة إلى ولايات ميرندا، أراغوا ولا غوايرا.
وأكد بيان الحكومة الذي بعثت به لـ”الشروق”، أن هذا الهجوم يُعد انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المادتين الأولى والثانية المتعلقتين باحترام سيادة الدول والمساواة القانونية بينها، وحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، محذرًا من أن هذه التطورات تهدد السلم والاستقرار الإقليمي والدولي، خاصة في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، وتعرض حياة ملايين المدنيين للخطر، متهمة الولايات المتحدة بالسعي إلى الاستيلاء على الموارد الإستراتيجية للبلاد، وعلى رأسها النفط والمعادن، في محاولة لكسر الاستقلال السياسي لفنزويلا بالقوة، مؤكدة أن هذه المحاولات “ستفشل كما فشلت سابقاتها”.
ودعت الحكومة جميع القوى الاجتماعية والسياسية إلى التعبئة الشاملة وإدانة الهجوم، مؤكدة أن الشعب والقوات المسلحة الوطنية البوليفارية، في اندماج «شعبي–عسكري–شرطي»، منتشرة في مختلف أنحاء البلاد لضمان السيادة والحفاظ على السلام.
وفي السياق ذاته، أعلن البيان أن الرئيس نيكولاس مادورو أمر بتفعيل جميع خطط الدفاع الوطني، وفقًا للدستور والقوانين المنظمة لحالات الاستثناء وأمن الأمة، كما وقّع مرسومًا يعلن حالة الاضطراب الخارجي في كامل التراب الوطني، بهدف حماية حقوق المواطنين وضمان استمرارية عمل المؤسسات الجمهورية.
وأفادت الحكومة الفنزويلية بأنها ستتقدم بشكاوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي، والأمين العام للأمم المتحدة، وتجمع دول أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، وحركة عدم الانحياز، مطالبة بإدانة الولايات المتحدة ومساءلتها.
إلياس خوري: ما يجري في فنزويلا ليس مفاجئًا
اعتبر الكاتب إلياس خوري المقيم في فنزويلا، أن التطورات الأخيرة في فنزويلا ليست مفاجئة، مؤكّدًا أن البلاد كانت تعيش منذ مدة حالة استعداد غير معلنة لمواجهة أي عدوان إمبريالي أمريكي محتمل، رغم أن توقيت الأحداث لم يكن معروفًا بدقة.
وأوضح خوري في تصريحات لـ”الشروق”، أن السلطات الفنزويلية اتخذت، في وقت سابق، إجراءات احترازية أشبه بحالة طوارئ غير معلنة، شملت تعليمات واضحة بعدم التعاطي مع المعلومات أو الصور التي يتم تداولها عبر منصات الذكاء الاصطناعي أو ما وصفه بـ«الفبركات الأمريكية» الموجهة للتأثير على الرأي العام، مضيفا أن الحكومة دعت إلى الاعتماد الحصري على البيانات الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة، لاسيما وزارة الدفاع ووزارة الداخلية، باعتبارها الجهات المخولة بتقديم المعلومات المؤكدة.
وفي سياق متصل، أشار خوري إلى أن المعطيات المؤكدة حتى الآن تفيد بأن الرئيس لا يتواجد في القصر الجمهوري، وهو ما فتح باب التساؤلات حول مصيره، بين من يتحدث عن اختطاف محتمل أو اختفاء غير معلن، لافتا إلى أن نائبة الرئيس طالبت واشنطن بشكل مباشر بـالإعلان أو توضيح مكان وجود الرئيس، متسائلة عن مصيره، في ظل حديث عن “رئيس منتدب رسمي” وتضارب الروايات حول حقيقة ما يجري، وما إذا كانت هذه التطورات واقعية أم تدخل في إطار الخداع السياسي.
وأكد إلياس خوري أن الحزب الحاكم، إلى جانب الحكومة وشرائح واسعة من المواطنين، نزلوا إلى الشوارع، خاصة في العاصمة والمدن الكبرى، في تعبير عن التعبئة الشعبية، داعيًا في الوقت نفسه إلى عدم التسرع أو الارتباك، وترك الأمور تأخذ مجراها بهدوء وحذر في انتظار اتضاح الصورة.
وختم خوري تصريحه بالتشديد على أهمية التريث، ومتابعة التطورات وفق المعطيات الرسمية، بعيدًا عن الشائعات والحرب الإعلامية المصاحبة للأحداث.
خبير دولي لـ”الشروق”:
اعتقال مادورو يؤسس لفوضى دولية… وترامب يعيد العالم لعصر ما قبل الأمم المتحدة
في قراءة قانونية معمقة، حذر الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي، من أن العملية الأمريكية لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما قسراً خارج بلادهما تخلق سابقة دولية خطيرة تهدد أمن واستقرار جميع الدول، وتعيد العالم إلى عصر ما قبل ميثاق الأمم المتحدة حيث كانت القوة العسكرية هي الفيصل وليس القانون.
وأكد الدكتور مهران في حديث خاص لـ”الشروق”، أن ما حدث، السبت، يمثل انقلاباً كاملاً على النظام القانوني الدولي الذي استغرق بناؤه عقوداً من الزمن، فبعد الحربين العالميتين وملايين الضحايا، اتفق المجتمع الدولي على إنشاء نظام قانوني يحكم العلاقات بين الدول ويمنع استخدام القوة لحل النزاعات، واليوم تأتي إدارة ترامب لتدوس على كل هذه الإنجازات وتعيدنا لمنطق الغزو والاحتلال، مبينا أن التاريخ يعلمنا أن السوابق القانونية في العلاقات الدولية خطيرة للغاية، فعندما غزت أمريكا العراق عام 2003 بحجة أسلحة الدمار الشامل الوهمية، فتحت الباب لغزوات أخرى تحت ذرائع مختلفة، واليوم عندما تعتقل رئيس دولة بالقوة العسكرية، فإنها تخلق سابقة يمكن لأي دولة قوية استغلالها لاعتقال قادة دول أخرى.
واستطرد: تخيلوا لو أن روسيا قررت غزو دولة أوروبية واعتقال رئيسها بحجة وجود مذكرة قضائية روسية ضده، أو أن الصين قررت اعتقال رئيس دولة آسيوية بنفس الذريعة، هل سيقبل العالم بذلك؟ بالطبع لا، ولكن هذا بالضبط ما فعلته أمريكا مع فنزويلا، والفارق الوحيد هو القوة العسكرية وليس الشرعية القانونية.
وحول المبادئ القانونية المنتهكة، أوضح مهران أن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول هو إحدى الركائز الأساسية للقانون الدولي منذ معاهدة وستفاليا عام 1648، وهو منصوص عليه بوضوح في المادة 2 الفقرة 7 من ميثاق الأمم المتحدة، واعتقال رئيس دولة بالقوة هو أقصى درجات التدخل في الشؤون الداخلية، مضيفا أن القانون الدولي يعترف بحق كل شعب في اختيار نظامه السياسي وقادته دون تدخل خارجي، وحتى لو افترضنا أن هناك خلافات حول شرعية انتخاب مادورو، فإن الحل يكون عبر الآليات الديمقراطية الداخلية أو الوساطة الدولية، وليس عبر الغزو العسكري واعتقال الرئيس.
وحول المذكرة الأمريكية، شدد مهران أن القانون الدولي واضح في أن الاختصاص القضائي لأي دولة محدود بإقليمها ورعاياها، ولا يمكن لمحكمة أمريكية أن تصدر مذكرة اعتقال صالحة دولياً ضد رئيس دولة أجنبية يمارس صلاحياته في بلاده، فهذا يتناقض مع مبدأ السيادة ومبدأ الحصانة السيادية.
وتابع: إذا كانت أمريكا تملك أدلة على جرائم دولية، فالطريق القانوني الوحيد هو اللجوء للقضاء الدولي وليس القضاء الوطني الأمريكي، فالمحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية موجودتان لهذا الغرض، ولكن واشنطن تتجاهلهما لأنها تعلم أن ادعاءاتها لن تصمد أمام القضاء الدولي المحايد، محذرا من التداعيات المستقبلية قائلا “إذا مرت هذه السابقة دون عقاب، فسنشهد فوضى دولية عارمة، حيث ستعتبر كل دولة قوية أن من حقها اعتقال قادة الدول الأخرى بحجة وجود قضايا قضائية ضدهم، وسيصبح أي رئيس دولة عرضة للاعتقال إذا سافر أو حتى إذا بقي في بلاده إذا كانت دولته ضعيفة عسكرياً”.
وطالب فوراً بموقف دولي حاسم من مجلس الأمن والجمعية العامة والمحكمة الجنائية الدولية، وإلا فإن القانون الدولي سيسقط بالكامل وسنعود لعصر الغاب حيث البقاء للأقوى، وحينها لن تكون أي دولة بمنأى عن التهديد مهما كانت قوتها اليوم.