تركيا… أي دور؟
ان حنيننا للدولة العثمانية العلية ولصولجان السلطان والباب العالي بالأستانة وحكايات القصور والقادة العسكريين وفرمانات الدولة التي امتدت مشرقا ومغربا، كل ذلك يشعرنا بنشوة تاريخية تكاد تذهب بعقولنا، فلا نرى من واقعنا إلا أحلاما مزعجة مخدرين لاسيما وواقعنا مشرذم ممزق وجيوش الأعادي تجتاح القدس وبلاد المسلمين.
آن لنا أن نفيق.. ويا لهول ما نرى.. العثمانيون ليسوا هم العثمانيين والباب العالي تطأه سياسات الفرنجة، والأستانة ملتقى للمتمردين على بلاد العرب والمسلمين، والسلطان المزود بحنجرة رنانة فاقد القدرة على قول الجملة كاملة، وفرمانات الدولة فارغة تجاهنا ومليئة بالود تجاه يهود الدونما والكيان الصهيوني، والقادة العسكريون ينسقون أمنيا مع الفرنجة والصهاينة ضد العرب والمسلمين، وفي اسطنبول محمد الفاتح غرفة عمليات أمنية مشتركة صهيونية ـ أمريكية ـ تركية.. يا لهول ما نرى.
حكام تركيا اليوم يقبلون اعتذار الصهاينة الذين قتلوا أبناءها.. وأعلنوا أن العلاقات عادت إلى مجاريها مع أن العارفين بما هنالك يؤكدون أنها لم تتعكر في حقيقة أمرها في أي لحظة.. قبلوا باعتذار الصهاينة وكأن القضية مع الكيان الصهيوني هي مقتل عدة أفراد أتراك، وكأن الكيان الصهيوني غادر القدس.. وفي تركيا يجتمع الغربيون والأمريكان، يخططون كيف يمكن تدمير سورية، وتصبح تركيا من ينظم العدوان ويرتب صفوفه لتفتيت بلاد الشام.. مؤتمر تلو المؤتمر في تركيا للحرب على سورية.. وفي تركيا يتحرك المتمردون السوريون والمقاتلون القادمون من شتى الأصقاع مزودين بالسلاح والحماية.. وفي تركيا مؤتمرات للتركمان السوريين وكل الانفصاليين للإمعان في تفتيت سورية..
في الدولة التركية المعاصرة انتقل الحكم من العسكر العلمانيين المتغربين إلى إسلاميين علمانيين لم يجدوا بدا من تثمين سياسات تركيا ما بعد سقوط الخلافة التي رسمها المستعمرون الغربيون عقب الحرب العالمية الأولى.. ولم يغير الحكام الجدد شيئا في استراتيجية الدولة التركية، وكل ما نسمعه من جعجعة في الخطاب التركي لا ينتج عنه طحين، فليست كل قرقعة نتيجة لحراك في صولة السيوف والفرسان.
في ظل مصر المثقلة بأزماتها الداخلية وضبابية الرؤية أمام قياداتها الحالية، يصبح الميدان فارغا مجددا أمام تركيا لتلعب دورا كارثيا في المنطقة العربية، ولتؤدي دورا مخططا لها تماما في الإستراتيجية الغربية، وهنا لا بد من اليقظة في التعامل مع تركيا التي أصبحت كقطر و”الجزيرة” وكل الأدوات الأخرى، بل أخطر في التساوق مع الإرادات الغربية وتنفيذ مخطط غربي كبير مقابل وعود مصلحية خاصة.
إن عناوين قضايانا العربية والإسلامية واضحة كوضوح الشمس وهي قادرة بذلك على فحص أي موقف لأي جهة كانت.. ففلسطين والوحدة والسيادة والنهضة في التصنيع والثقافة والرفاه الاجتماعي كلها قضايا عليها الإجماع وعكسها تماما الكيان الصهيوني والتجزئة والتبعية والتخلف والتفرقة والانحطاط.. وعلينا أن نحيل أي تصرف أو موقف من أية جهة أو دولة على هذا الميزان، وحينها نكون على بيّنة من أمرنا، غير مُنوَّمين بالتاريخ ولا مؤملين بالأوهام.. وما أجمل قول الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش: قتلتنا الأكذوبة.