تركيا إيران.. والموساد
في خبر لافت، نقلت الصحف الأمريكية خبرا مفاده أن تركيا تسلم إيران الخيط لإلقاء القبض على عملاء الموساد الإسرائيلي، في واحدة لعلها السابقة في توجه تركي جديد محتمل في المرحلة القادمة.. فماذا يعني ذلك؟
لا بد أن يكون الأتراك قد فهموا الدرس الأمريكي بدقة، أنه من غير المسموح لهم أن يلعبوا دورا إقليما فاعلا. فهذه المنطقة منطقة نفوذ أمريكي صرف، وليس لأي طرف إلا القيام بخدمة الخطة الأمريكية. وإن حاول تجاوز ذلك فإنه سيلقى على الهامش.. ولعل الأتراك أيقنوا أن التحريك الذي طال كل البلدان التي صعد فيها التيار الإسلامي إنما هي بوضوح تدخل غربي أمريكي صرف لإسقاط التيار الإسلامي من الحكم، ويكون الأمريكان قد امتصوا كل الفائدة من الحراك الإسلامي في المنطقة بعد تمكن التيار الإسلامي من إسقاط الأنظمة في تونس ومصر وليبيا واليمن، وأشغل النظام السوري إلى حد كبير.. وفي محاولة الأمريكان لملمة الأوضاع، تم التضييق على التيار الإسلامي الذي يكاد يفقد مواقعه، على الأقل في المنظور، في أكثر من بلد..
هذا هو المناخ الجديد في الأشهر القليلة. فهل يكون الأتراك قد أدركوا أنه لا بد من صنع تحالفات قوية في الإقليم ليخرجوا من ربقة الهيمنة الأمريكية..؟ هل هي خطوة صغيرة في اتجاه تغيير الاتجاه؟ فلقد ذكرت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، أن الحكومة التركية سلمت الاستخبارات الإيرانية قائمة بأسماء 10 إيرانيين يعملون لصالح جهاز الاستخبارات الإسرائيلية “الموساد” في بلادهم. ونقلت الصحيفة أن حكومة رئيس الوزراء التركي سلمت قائمة بأسماء 10 من العملاء المحليين الإيرانيين الذين وصلوا إلى تركيا للاجتماع بمشغّلهم في الموساد الإسرائيلي.
وأوضحت المصادر أن “الموساد” شغّل شبكة التجسس تلك، من الأراضي التركية جزئياً، مستغلاً حرية التنقل والحركة على امتداد الحدود الإيرانية- التركية، مشيرة إلى أن الاستخبارات التركية تجري عملية مراقبة مشددة داخل حدودها، ما سمح لها بمراقبة اللقاءات الإسرائيلية- “الإيرانية” السرية.
ولفتت الصحيفة إلى أن رئيس المخابرات التركي، هاكان فيدان، يعتبر مشتبها فيه في إسرائيل، نظرا إلى علاقته الودية بطهران، وتتهمه بأنه يمثل المصالح الإيرانية..
ونقلت عن مصدر مطلع أن المسؤولين الأمريكيين اعتبروا أن الموساد، وبعد تعاونه مع الاستخبارات التركية لفترة طويلة وصلت إلى نصف قرن من الزمن، لم يخطر بباله أن تقوم تركيا بكشف هوية عملاء إسرائيليين لقوى معادية لإسرائيل مثل إيران.
إننا أمام تطور لافت في إدارة العلاقات في الإقليم. وهذه خطوة ليست صغيرة بل هي تضرب في العمق، وتؤسس لتحالف ضروري بعد أن تتخفف تركيا من علاقاتها المؤذية بالموساد الإسرائيلي والـ”سي أي إيه” الأمريكي.. وبعد أن تكون تركيا انتبهت إلى أن هناك محورين لا ثالث لها: إنه محور الأمريكان وإسرائيل رأسه، ومحور آخر محور الأمة وفلسطين رأسه. فعلى الأتراك أن يحددوا باقي الخطوات ويلتحموا بأمتهم بدل البحث المستميت عن علاقة بالأمريكان والغربيين.