تركيا وإيران تقارب أم تلاعب؟
المتابع لما يجري بين إيران وتركيا، في الأيام الأخيرة، ينتابه إحساس بأن هناك شيئا غير عادي يتم بين البلدين الكبيرين المختلفين في كثير من الملفات، ولم يكن منتظرا ضمن المعطيات الفائتة منذ زمن قريب، بل على العكس، كان الموضوع السوري كافيا بتنافر بين البلدين.. إلا أن البلدين في الأيام الأخيرة تبادلا معطيات جديدة تعزز الثقة بينهما وتقرب وجهات نظرهما حول عدة قضايا. وتأتي زيارة الطيب أردوغان إلى طهران ومقابلته للسيد خامنئي في مناخ تقوية العلاقات بين البلدين وتطويرها لتشمل مجالات عديدة.
إيران الثورة الإسلامية بحاجة استراتيجية إلى علاقات قوية مع إيران، لأنه من شأنها تكسير الحدود الطائفية والسياسات الطائفية التي ينفخ فيه الغرب في منطقتنا. فهنا بلد معظم سكانه سنة، وهناك بلد معظم سكانه شيعة، فيصبح فتح الأبواب بين البلدين فرصة كبيرة لتنامي ثقافة الوحدة بين المسلمين ولتبيان حجم الفوائد من هذه العلاقات الثنائية. ولعله من الواضح أن أكثر أذى لحق بالثورة الإسلامية الإيرانية يكمن فما فرض عليها من حصار طائفي قام به دعاة التفرقة وأنظمة إقليمية رعت هذه الفتنة بقوة مالية كبيرة. كما أنه فائدة كبيرة لإيران التي تجد في الانفتاح مع تركيا فرصة كبيرة للتبادل التجاري والخبرات في مجال الاقتصاد. ويمكن أن تمثل تركيا ظهيرا اقتصاديا مهما لإيران وسوقا مهمة للصناعة التركية. كما أن قيام بنك الأمة التركي بعملية تحويل الأموال لإيران مثل خطوة جوهرية في رفع الحصار على إيران.
وتركيا أردوغان بحاجة ماسة إلى علاقات استراتيجية مع إيران بعد أن أدرك أردوغان أن الغرب لن يقبله عضوا في الاتحاد الأوروبي، ولعله لم يكن طامحا إلى ذلك، إنما استخدم دعوته تلك للقضاء على هيمنة العسكر وتحويل النظام إلى ديمقراطية تحتكم إلى دستور مدني.. ومن ثم تمكن من فرض سيطرته مع حليفه الاجتماعي تيار الخدمة برضا أمريكي وغربي لم يدم بعد أن حاول أردوغان تقديم إيران لأخذ دور إقليمي في تشكيل سياسي جديد في المنطقة يشمل بلاد الشام ومصر والعراق.. وهذا ما أشعر الغربيين بقلق من الدور التركي الجديد، فأعادوا بعثرة المنطقة وصياغتها بما لا يسمح بإيجاد أي دور نافذ لأية قوة إقليمية.. وهكذا تصاعدت الهجمة الإعلامية الغربية على أردوغان وتم تحريك قوى داخلية ضده بدأت بقضية تقسيم في إسطنبول وانتهت بانسحاب تيار الخدمة من تحالفه معه.. وفق دراسة سريعة كان لا بد أن يدرك أردوغان أن الغرب، وعلى رأسه أمريكا، سيطوح به، فكان لا بد من البحث عن حلفاء، فكانت حركته نحو إيران خطوة ضرورية واستراتيجية.
إلا أن هناك ملفات عديدة لا بد من دراستها بين البلدين لكي لا يكون اللقاء رغبة أمنية مؤقتة.. لا بد من فتح الملف العراقي والسوري والمصري، وإلى حد ما الفلسطيني.. لا بد من إيجاد تقاربات جوهرية بين البلدين لكي لا يكون اللقاء مجرد تلاعب سياسي.. إنها خطوة نحو توفير شروط التعاون بين بلداننا الإسلامية تحتاج إلى التدعيم والتطوير.. تولانا الله برحمته.