-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تركيا ورمضان .. نموذج يقتدى به

صالح عوض
  • 6800
  • 7
تركيا  ورمضان .. نموذج  يقتدى  به

تركيا التي تتلمس طريقها نحو العودة الى حضن الامة الاسلامية وتبني قضاياها بعد ان جرفها التغريب والعلمنة طويلا، تعيش منذ فترة من الزمن سنة حميدة نجحت الجمعيات الخيرية وبلدية اسطمبول والحكومة في ابرازها، الا وهي استخدام الساحات العامة والاماكن المتسعة في شهر رمضان لإقامة افطار جماعي لمئات آلاف الصائمين الاتراك.

  • وأصبح هذا المشهد واحدا من ابرز معالم الاحتفاء برمضان في تركيا، بالاضافة الى ابتهاج المساجد ليلا بإنارة المآذن وتلاوة القرآن والزحف نحو صلوات التراويح..
    وفي سابقة لطيفة، جمع مبلغ خمسين مليون دولار من رجال الاعمال وأهل الخير الاتراك هذه السنة لمساعدة الاسر المستورة، توزع على بطاقات تقوم الاسرة بموجبها بشراء ما تحتاج من الغذاء طيلة شهر رمضان.. هذا فضلا عن وجود موائد الرحمن المنتشرة والرائعة والتي لا تتوقف زيارتها  على  المحتاجين،  بل  هي  مفتوحة  للجميع  وبطريقة  مشرفة  وكريمة .
    ان  الملتفت  الى  الحياة  في  تركيا  في  السنوات  الاخيرة  يكتشف  ان  كل  محاولات  العلمانيين  وأصدقاء  الغرب  لم  تتمكن  من  طمس  معالم الهوية  الحضارية  لبلد  قاد  مسيرة  الامة  اكثر  من  اربعمئة  عام  باقتدار  وتألق .
    المجتمع التركي المعتز بإسلامه وبعثمانيته يجد هذه الايام تحديات كبيرة، فهناك المصالح التي تشد الدولة نحو الغرب ومحاولات ادماجها في الاتحاد الاوروبي رغم تخوفات عميقة لدى الاوروبيين.. وهناك الانتماء والهوية وأيضا المصالح التي تشده نحو العرب وقضاياهم وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.. وهنا يكتشف الاتراك ان المسألة اكثر تعقيدا مما تصوروا في لحظة ما.. فكل همسة وكل كلمة لمصلحة الامة ودينها ينطق بها المسؤولون الاتراك ذوو الميول الاسلامية يحاسبون عليها مباشرة وبلا تأخر.. فعندما حاولت تركيا الخروج عن الصمت حيال الحصار المفروض على غزة وقامت بتصرف انساني لكسر الحصار واجهتها اسرائيل باستهتار وعدوان ادى الى استشهاد تسعة من المسلمين الاتراك ولم تستطع تركيا ان تخرج عما هو مرسوم لدولة من حلف الناتو تجاه اسرائيل.. وردا على الموقف التركي الشعبي والرسمي الذي طالب باعتذار اسرائيلي ورفع الحصار عن غزة لإعادة العلاقة مع اسرائيل لسابق عهدها.. ردا على هذا الموقف دفعت تركيا ثمنا غاليا تمثل في ازدياد هجمات الاكراد الانفصاليين المسلحة والمزودة بتقنيات عسكرية اسرائيلية وخبراء عسكريين اسرائيليين يتواجدون في كردستان العراق من زمن طويل، كما ان الموقف  الامريكي  كان  واضحا  برفض طلبات  الاتراك  الخاصة  بطائرات  بدون  طيار .
      فيما يخص مجتمعهم والتنمية الاقتصادية وعنصرها الكبير المتمثل في السياحة التجارية، يكون الاتراك قد حققوا شيئا متقدما يدعو للإعجاب والاقتداء، ولكن المسافة طويلة لكي تستعيد تركيا هويتها ودورها الاقليمي بناء على انتمائها الحضاري.. فلا زالت تركيا مرتبطة بعلاقات استراتيجية مع اسرائيل صناعية وتجارية وأمنية هي الاكثر توسعا في المنطقة.. ولا زالت تركيا عضوا فاعلا في حلف الناتو وتقوم بما عليها من مهمات استراتيجية.. ومن جهة اخرى لم يستطع البرلمان التركي رغم اغلبية اعضائه الاسلاميين من طرح مشاريع قانونية تقترب من الاسلام  وشعائره  وقوانينه .
    ومن هنا فكما ندعو للاقتداء بتركيا على صعيد النهضة الاقتصادية والتكافل الاجتماعي، الا انه ليس من المنطق ان يعتقد احد ان الموقف التركي من قضايا الامة وعلى رأسها القضية الفلسطينية هو الموقف الافضل.. فدون ذلك خطوات عديدة وتضحيات كبيرة ستدفعها تركيا ان ارادت.. ومع تثمين الموقف التركي المقترب من الموقف العربي في قضية فلسطين والصراع مع الكيان الصهيوني، الا انه لكي لا نحمل على الظنون والامال الكاذبة فليس من المحتمل ان يتم تطور كبير قريبا على الموقف التركي..
    تركيا في مرحلة حرجة.. فرغم كل التطمينات التي يقدمها الاتراك للاوروبيين الا ان انتظارهم على بوابة الاتحاد الاوروبي طالت بها السنون وأرهقها التسويف ولا أبلغ من التسويف طارد.. ورغم تكرار القول التركي بأن اسرائيل دولة صديقة واستمرار الحرص التركي على الشراكة مع  اسرائيل  في  مجالات  حيوية  كثيرة ..  الا  ان  ذلك  لن  يجعل  تركيا  صديقة  للغرب  واسرائيل .. ولن  يرضى  عنا اليهود  والنصارى  حتى  نتبع  ملتهم .
    يأتي رمضان في كل عام يحمل لنا معان كثيرة، يجيء ليذكرنا ان لنا امتدادت طبيعية كثيرة منتشرة في العالم تشاركنا المعتقد والمرجعية والحضارة.. بل والمصير المشترك.. وهذا يعني انه من الضرورة ان تمتد بين الامة خطوط التواصل لتكافل اكبر اقتصاديا وسياسيا، وهذا من شأنه  ان  يساعد  كل  المتورطين  بعلاقات  مخلة  بإسرائيل  وامريكا  الى  توفير  مناخات  طبيعية  للتحرر  من  استراتيجيات الغرب،  والانضباط  بمصلحة  الامة  العليا،  فالمؤمنون  بعضهم  اولياء  بعض .
     
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
7
  • Ana

    رغم ظروف تركيا السياسية الصعبة إلا أن لها مواقف مشرفة أحسن من الكثير من الدول " الإسلامية " التي تزعم الريادة في العالم الإسلامي

  • عمر أبو الشامات

    تركيا ليست بحاجة إلى العرب وسخافاتهم بل بحاجة إلى إيران القوة الإقليمية الثانية في المنطقة بعد تركيا والتي ستزودها بالطائرات من دون طيار من صنع إيراني فالدولتين تقيمان حلفا استراتيجيا شديدا تصبو سوريا لأن تكون طرفا فيه فمصلحة سوريا هي في مغادرة جميع التجمعات العربية التهريجية وتقوية مصالحها مع حلفائها المسلمين في الشرق والشمال لأن الخطر على الإسلام لم يعد يأتي فقط من إسرائيل ولكن أيضا من أكبر دولة خليجية أقام ملوكها حلفا حيويا مع اليهود لضرب المقاومة في فلسطين وجنوب لبنان وإرباك سوريا باعتبارها من دول الصمود والتصدي.

  • sara

    انت محق يا رقم1

  • عبد الله الجزائري

    الأكيد أن عودة تركيا الرسمية إلى الإسلام سبقتها إليه عدم تزحزح تركيا الشعبية عن ولاءه الكامل للإسلام.أما عن المواقف من إسرائيل فحتى السلطة الفلسطينية ـ أو كما تدعي ذلك ـ مازالت واقفة على باب أسيادها اليهود تستجدي الطعام واللباس.فعلى ماذا نلوم تركيا وهي التي عوقبت من طرف العلمانيين العرب على حملها لواء الإسلام كما عوقبت من طرف أوربا على نفس السبب.أظن أن إشارات الأستاذ المبطنة غير موفقة.وهو الذي كان يشير إلى عدم الثقة في توجه تركيا نحو القضايا الإسلامية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.والأصح هو الترحيب بالتوجه الإسلامي لتركيا الرسمية طمعا في توجه إسلامي مماثل للأنظمة الأعرابية التي كانت يوما ما سببا في سقوط الخلاخة التي هلل لها العلمانيةن الأعراب.

  • mourad alamdar

    شكرا على هذا التقرير الذي يبين ان هناك اشياء كثيرة مشتركة بين الجزائر و تركيا من تقاليد الى ديانة فهو بلد الكرم و الجمال و الثقافة

  • مراد عالمدار

    they said we are not muslims, they said we are weak they said we go between, we say ALLAH AKBAR

  • حسن ح أ

    شكرا جزيلا على الموضوع المهضوم.... و غير المفهوم من غالبيتنا.
    ( يأتي رمضان في كل عام يحمل لنا معان كثيرة، يجيء ليذكرنا ان لنا امتدادت طبيعية كثيرة منتشرة في العالم تشاركنا المعتقد والمرجعية والحضارة.. بل والمصير المشترك.)...
    أظن أنك مخطئ في تقديرك هذا و مبالغ كثيرا في وصفك السطحي لدولة إقليمية قوية أزاحت الغبار عن وجهها المنير الوضاح...
    و للأسف قلت أن تركيا تشاركنا المعتقد والمرجعية والحضارة و المصير المشترك... بل أنا أرى العملية عكسية ... إذ لنا الشرف أن نشاركها باحتشام لأنها الآن في مركز قوة و قدوة .
    و أين رأيت أنت المعتقد الصحيح المرجعية الموحدة" غير الرسول" و المصير و المشترك ... عندنا؟
    و أرجو التفهم.... و أنا بعيد كل البعد عن التهكم.