“تشيبا” وليس رشوة!
عندما يتمّ توقيف موظف بتهمة التواطؤ مع بائع خمور للتهرّب من دفع 12 مليارا من الضرائب، بولاية باتنة، فمن الطبيعي أن يسود الخوف وعلامات الاستفهام والتعجب، من وجود موظفين من هذا النوع وهذه الطينة “المرّة”، التي تتواطأ مع الخارجين عن القانون، وتسهّل لهم عمليات الهروب والتهرّب، وطبعا هذا ليس “باطل” ولكن مقابل “تشيبا” في أسوأ الحالات!
فعلا، جدلية الراشي والمرتشي، لا تكتمل، في غياب أحد الأطراف، فلا راشي بلا مرتشي، ولا مرتشي بلا راشي، ولا رشوة من دون اتفاق الاثنين، وفي كلّ الأحوال والأشكال، فإن أركان الجريمة لا تكتمل، إلاّ إذا توفرت آلياتها وعناصرها، وأولها وأهمّها، الجاني والمجني عليه!
مصيبة المصائب، أن الكثير من المتورطين والمتواطئين، حوّلوا تسمية الرشوة إلى “عمولة”، أو “تشيبا”، وإن كان الجريمة هي جريمة مهما تبدّلت الأسماء والتفسيرات والضحايا والمبررات، لكن أخطر ما في الموضوع، أنه كلما تمّ إلقاء القبض على راش أو مرتش، قال بالفم المليان و”بلا حيا ولا بولحية”، مخاطبا الناس والمستنكرين: “واش ما شفتوني غير أنا”؟
بالمختصر المفيد، “التشيبا” أصبحت في نظر الطمّاعين والغمّاسين والخمّاسين، وسيلة من وسائل “الثراء المشروع”، ولذلك، يتواطأ موظف مع “بائع خمور” للتهرّب من دفع الملايير، ويا ريت تواطأ مثلا مع “بائع الحليب” أو الخبز مثلا، لكانت الجريمة “مبرّرة” ربما بدعم التجار “المزلوطين” ممّن لا يجنون الكثير من تجارة السلع المدعومة!
إذا كان بائع واحد لا يدفع 12 مليارا للضرائب، فمن البديهي أن يتضخم الرقم الإجمالي لقيمة التهرّب من تسديد مستحقات الضرائب، ونفس السيناريو بالنسبة للكهرباء والغاز والماء وحقوق الكراء والضمان الاجتماعي، ومختلف الرسوم الأخرى المفروضة قانونا على مؤسسات وشركات وأفراد، وبالتالي من الطبيعي أن تكون النهاية إفلاس وعجز مالي، وبعدها لا عجب من الوصول إلى حدّ غلق المؤسسات العامة والخاصة أو خوصصتها وتسريح العمال!
عندما تتحوّل “الجريمة” إلى مودة أو إلى معاندة أو “وباء” بعد “العدوى”، فعلينا أن ننتظر الأسوأ بعد السيّئ، وقد حلّل البعض ما حرّمه الله وجرّمه القانون وأذله المجتمع، ولا داعي هنا لذكر عديد النماذج المخزية، التي تزرع اليأس والإحباط والقنوط، ولكم في التباهي بخرق القانون و”أجرمة” كلّ الأفعال والأقوال، أسوة غير حسنة، فحين يستعرض “الباندي” والمرتشي والراشي والمزوّر والمختلس، عضلاته على الغير، فهذا لا يُمكنه إلاّ أن يكون “عزة بالإثم”!