الرأي

تعليقًا على نَكِرَة: ابتزاز المشاعر

تواصل الجهات المعارضة لزحزحة الفرنسية إلى السنة الرابعة هجماتها وضغطها الكثيف بأساليب شيطانية مضلّلة للرأي العام… وهو ما دعانا هذه الأيام إلى تعقّب آثارها والرد على أصحابها للكشف عن مآربهم وإسقاط ما يتحجّجون به.

لقد تبنّت معظم تلك الأقلام حتى الآن الأسلوب المباشر في الدفاع عن توجهها الرامي إلى تخصيص مكانة سيادية للغة الفرنسية في منظومتنا التربوية بدءا من السنة الثالثة من المرحلة الابتدائية. لكننا اطلعنا قبل يومين في موقع إعلامي معارض ناطق بالفرنسية على مقال كاتب نَكِرة تبنى الاسم المستعار “بن محمد” دون أي إشارة إلى اسمه الكامل ولا إلى هويته. وعنون مقاله “نحو مدرسة تعلّمنا كيف نفكّر”.

لقد بدأ مقاله بفقرات عديدة استهلها بـ “لا أفهم…”، ثم غيّر فجأة في الفقرات الموالية لحن الكلام وأطلق العنان للأحكام القطعية القاسية لكل ما يمت بصلة للتعريب وللغة العربية (رغم قوله إن هذه اللغة بريئة) دون التعرض إلى مكانة اللغة الفرنسية في المدرسة الجزائرية في حين أن ذلك هو بيت قصيده. إنه أسلوب غريب في كتابة مقال غرضه الدفاع عن فكرة، لكن بدل ذلك يهاجم في كل فقراته الرأي الآخر… حتى أننا زودنا الذكاء الاصطناعي برابط المقال وسألناه عن تسمية هذا الأسلوب في الكتابة. فأجاب أن هذا الأسلوب يسمى “ابتزاز المشاعر” الذي “يضعك عاطفيًا كقارئ في موقف يجعل رفضك للحكم الذي يطرحه صاحبه يبدو وكأنه نقص أخلاقي فيك… وهو أسلوب بلاغي لا يعتمد على الحجج العقلية والبراهين، بل على شحن النص عاطفيًا بحيث يجد القارئ نفسه مضطرًا للموافقة على الطرح، وإلا تعرّض لوصف أخلاقي سلبي كالخيانة، والأنانية، والجهل، وضيق الأفق”.

1. مقتطفات من المقال

يستهل الكاتب مقاله بالعبارة التالية”: “أعترف أنني لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن لوطنيّ حقيقي، أو أي شخص يحب بلده ويحب شعبه، أن يكون ضد أي لغة كانت”. ثم: “أعترف أنني لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن للمرء أن يحرم نفسه من تعلّم لغة تفتح أبواب الوصول إلى معارف متخصصة وعالمية تحملها كل لغة”. وعندما ينتقل إلى الهجوم على اللغة العربية يقول: “ومع ذلك، لا أودّ أن أتعلّم أيًّا من هذه اللغات في المدرسة الجزائرية الحالية؛ هذه المدرسة العمومية التي أصبحت، أكثر فأكثر، نسخةً من المدرسة القرآنية؛ هذه المدرسة التي تفتح أبوابها ونوافذها على القرن الرابع عشر، وتغلقها في وجه القرن الحادي والعشرين؛ هذه المدرسة التي تخلط بين التاريخ والأساطير، وتغلق أبوابها في وجه الأفكار الجديدة والعلوم والتقنيات؛ هذه المدرسة التي وُصفت منذ زمن طويل بأنها مدرسة منكوبة” !!
ويواصل بالإشادة بوزيرين اثنين، هما الوحيدان في دعواه اللذان كانا فعلا يستحقان تولي منصب وزير التربية، وهما المرحوم مصطفى لشرف ونورية بن غبريط، فيقول فيهما: “لم يكن هناك سوى هذين الوزيرين اللذين كانا يدركان أن دور المدرسة الجديرة بهذا الاسم هو نقل المعارف العلمية والتقنية، وتنمية روح النقد والإبداع، وفتح الأذهان على تطور الأفكار وحركتها في العالم…”.

ثم يطلق النار مباشرة على تعريب المدرسة منذ 1962، فيقول: “ومع ذلك، أهدرت الجزائر مليارات لا تُحصى، وضحّت بأجيال كثيرة، وأضاعت الكثير من الوقت والجهد في الترويج لنتائج سياسة التعريب وتعميم التعليم. لكن، بعد كل هذه الجهود، لم تُنتج الجزائر مهندسا واحدا، ولا طبيبا واحدا، ولا مهندسا معماريًا واحدا، وباختصار، لم تُنتج أي إطار معرَّب أحادي اللغة في جميع المجالات العلمية والتقنية أو في مجال الإدارة الحديثة للمؤسسات.”

وفي هذا السياق يلاحظ أن “كل هذه الجهود الرامية إلى فرض اللغة العربية وحدها، لم تفضِ في نهاية المطاف إلا إلى إنتاج خريجين لا مصير لهم سوى أن يصبحوا “حيطيست”، ومحترفين في ممارسة الديماغوجية في وسائل الإعلام الرسمية، وفي قطاع التعليم…”. ثم يطالب في الختام “بوزير للتعليم يداه طليقتان” لا بوزير للتربية لأن التربية من مسؤولية الأولياء.

2. تعليقات

نلخص ثغرات فكر كاتب هذا المقال في النقاط التالية:

1. الحيرة المصطنعة: يبدأ الكاتب بِحَيْرة مزعومة، وسرعان ما يتحوّل إلى حَكَم ضد التعريب، وهكذا كانت عبارة “لا أفهم” مجرد مدخل لإدانة سياسة لغوية كاملة منذ 1962.

2. اختزال الموضوع التربوي المعقد في أزمة لغوية: يحوّل الكاتب مسألة التعليم في الجزائر، التي تتداخل فيها عوامل سياسية واقتصادية وتربوية وبيروقراطية، إلى نتيجة سببية واحدة: “العربية هي السبب”، متجاهلا الاكتظاظ وضعف تكوين المعلم والأستاذ وهشاشة البرامج…

3. تسييس اللغة وربطها بالولاء الوطني: يضع الكاتب خصومه في موقع “ضد المصلحة الوطنية” و”اللاعقلانية”، محوّلا نقاشا لغويا معقّدا إلى اختبار للوطنية، وهو تلاعب أخلاقي خطير.

4. خطاب الكاتب استعلائي يحتكر الأخلاق والفضيلة: يتحدث من موقع أخلاقي متعال عن الوطنية، وحب الشعب، والوعي المدني، وكأن من يخالفه يفتقر إلى هذه الفضائل.

5. التناقض بين حبّ اللغات والهجوم على العربية: يزعم الكاتب أنه يحب كل اللغات، لكنه يوجّه سهام نقده حصرا إلى العربية، متناسيا أن المدرسة الجزائرية لم تكن أحادية اللغة في أي مرحلة من تاريخها. ولم نفهم كلامه عن هذه الأحادية التي لم يعرفها أي تلميذ في مدرستنا. لعل صاحبنا يعيش تحت سماء أخرى بعيدا عن الواقع الجزائري.

6. السخرية من المدرسة العربية: تصويره المدرسة الجزائرية وكأنها “تفتح نوافذها على القرن الرابع عشر” ليس نقدا تربويا، بل إهانة ثقافية مسبقة النيّة، تفترض أن العربية مرتبطة حتما بالتخلف.

7. الانتقائية في الاستشهاد: يستشهد الكاتب بخبراء فرانكفونيين معروفين بعدائهم للتعريب، ويتجاهل عشرات اللسانيين والتربويين الجزائريين الذين دافعوا عن التعريب كضرورة سيادية وهويّتية.

8. ادعاء أن التعريب لم ينتج أطباء ولا مهندسين: الواقع الجزائري يكذب هذا الادعاء، فآلاف الأطباء والمهندسين تلقوا تعليمهم الأساسي بالعربية ثم واصلوا تكوينهم بالفرنسية أو الإنكليزية، مما يثبت قدرة التعدد اللغوي.

9) نسأل الكاتب: في فرنسا، ما مدى استعمال الإنكليزية في تدريس هذه الاختصاصات؟ إنها لغة إجبارية في هذا التكوين، بل هناك تخصصات تدرّس بالإنكليزية 100% دون الفرنسية. ادخل إلى موقع “كمبس فرانس” (campus France) الذي يرشد الطالب الأجنبي الذي يريد الدراسة في فرنسا: ستجد في وثيقة مؤرخة قي 2022 تشير بالحرف الكبير إلى أن هناك 1600 تكوين في فرنسا تدرس كليا أو جزئيا باللغة الأنكليزية وأن 85% تقدم كل دروسها بالإنكليزية دون الفرنسية. فما قولك في هذا التوجه اللغوي الفرنسي؟

10. التناقض حول التعددية اللغوية: يدعي الكاتب الدفاع عن التعددية، لكن صدور مقاله في هذا الوقت بالذات يبين أنه منزعج من منافسة الإنكليزية للفرنسية، وكأن التعددية عنده تعني احتكار الفرنسية للمشهد اللغوي في الجزائر. كيف لا نفهم ذلك وهو يدين تعريب المدرسة عند خروج فرنسا من الجزائر عام 1962. ألا يريد أن يقول من خلال ذلك أن الحل كان يكمن في الإبقاء على اللغة الفرنسية في المدرسة كما كانت زمن الاستعمار.

12. تعلم الفرنسية ليس المشكلة، لكن الامتياز الذي يريد أن يمنحه لها هؤلاء هو المشكلة: الكاتب يدافع عن الفرنسية كحق مشروع، بل يريدها لغة امتياز تاريخي، وهذا يفضح أيديولوجيته.

13. المدرسة “المحايدة” ليست محايدة في نصه: يدعو الكاتب إلى مدرسة محايدة وعلمية، لكنه يمارس تفضيلا لغويا واضحا، ويرى العربية مؤدلجة والفرنسية محايدة، وتلك هي الإزدواجية في المعايير.

14. خطاب نخبوي يحتقر الشعب الجزائري: في النهاية، يبدو الكاتب من نخبة فرانكفونية متعالية لم تتقبل إنهاء الاستعمار اللغوي، ويحلم بعودة الفرنسية إلى موقع الصدارة.

ما تحتاجه الجزائر يا سيدي، هو أن تُبْني مدرسة المستقبل: مدرسة لا تخاف العربية وتمجدها، ولا تعادي الفرنسية وتتعلمها، ولا تتردد في احتضان الإنكليزية كلغة انفتاح على العالم، ولا تجعل أي لغة أداة للولاء السياسي. عندها فقط يصبح النقاش حول اللغة نقاشا تربويا حقيقيا.

مقالات ذات صلة