تغيير اللاشيء باللاشيء
عندما دفعت الشعوب البريطانية والأمريكية وحتى الفرنسية، بسياسيين شباب إلى السلطة، لم تكن مشكلتها مع الأعمار، ولا مع الذين يبقون مطولا في السلطة، لأن فرنسا قادها شارل ديغول وهو في سن الثمانين.
والولايات المتحدة الأمريكية قادها فرانكلين روزفلت في أخطر مرحلة من تاريخها، وعمره قارب السبعين. وملكة بريطانيا الحالية إليزابيت الثانية التي تُشدّ إليها رحال الساسة والاقتصاديين وعامة الناس للاستشارة، بلغت سن السابعة والثمانين. ولكن ضرورة التحديث وتغيير الذي تجاوزه الزمن، هو الذي دفع هاته الشعوب إلى تشبيب طاقاتها البشرية المسيّرة للبلاد، والصانعة للمعارضة الحقيقية، دون حصر التجديد في مراحل العمر، لأن بعض الشباب أعجز من الذين بلغوا من العمر عتيّا في كثير من المجالات، فقدمت هاته الشعوب وجوها جديدة منحت لبلدياتهم ومدنهم وبلدانهم وللأحزاب الحقيقية القليلة الموجودة دمًا عصريا حقق لها المواصلة، وأكثر من ذلك قدّم نظرة جديدة في الأداء، يمكن لنا- كجزائريين- أن نلمسها، رغم أن أمريكا- مثلا- تبعد عنا بآلاف الكيلومترات، بينما لا نفهم ما يحدث عندنا من محاولة لتغيير اللاشيء، الذي كان يقود حزبا أو يجلس على أريكة إدارة أو برلمان أو مجلس أمة بلا شيء مثله، رضعا سويّا من اللاشيء، الذي علّمهم- بقدرة قادر- كيف يصلون إلى القمة، ويتنافسون على مقاعد السلطة، ويُقنعون أنفسهم وحتى بعض الناس بأنهم أشياء يمكنهم أن يغيّروا الوضع البائس الذي ساهموا- بقوة ومع سبق الإصرار والترصد- في خلقه. ومجرد قراءة لأسماء الرجال الذين يقدمون أنفسهم لخلافة السيدين أحمد أويحيى وعبد العزيز بلخادم، وحتى بقية قادة الأحزاب وأسماء مجلسي البرلمان والسينا، وغالبيتهم من المتورطين في تعفين هاته الأحزاب، ومن الذين ذاقوا حلاوة الكرسي السلطوي، دون أن يمنحوا الشعب بعضا من اهتماماتهم، ومنهم من قارب سنه الثمانين، يؤكد أن الحالة- التي قيل إنها ستتغير من دون نسمات ربيع ولا زمهرير شتاء- مستقرة، والشلل الذي تعرفه الساحة السياسية في البلاد، قد يتحوّل إلى موت كلينيكي، وقد يلجأ الذين يريدون أن تبقى الأمور على حالها إلى تغيير جثث الديناصورات بجثث أخرى ضمن سيناريو تبييض الرجال على شاكلة تبييض الأموال.
كل الذين ارتاحوا لرحيل أحمد أويحيى من عامة الشعب، وكل الذين يأملون رحيل بلخادم من الشعب الكافر بالسياسة، إنما دفعهم إلى هذا الشعور، “الكاريزما” المنعدمة لدى رجال السياسة عندنا، الذين لا نظن أن واحدا منهم شاهد “طلعته” في المرآة أو استمع إلى خطاب من خطبه الفارغة، ولكن أن يرحل هؤلاء، من أجل أن يشغل مكانهم أمثالهم، فتلك هي المصيبة التي يجب منع حدوثها. وعندما يصل الأمر بمواطنين في كامل قواهم العقلية لأن يقولوا عن قناعة بأن وجود البرلمان ومجلس الأمة كعدمه، ويقترحون إلغاءهما نهائيا، ووجود البلديات والمجالس الولائية كعدمه، وحتى إدارات المصانع والجامعات… فمعنى ذلك أن الناس صارت تؤمن بأننا نعيش مرحلة اللاشيء، في أحد أهم محركات حياة الأمم، وصار حلمهم أن يكون لنا شيء فقط، وليس أكثر من ذلك.