تفعيل تحويلات الأساتذة التقليدية تصحيح لاختلالات الحركة النقلية
في خطوة وُصفت بأنها استجابة مباشرة لمطالب الأسرة التربوية، أعلنت وزارة التربية الوطنية عن فتح عملية نقل الأساتذة عن طريق التبادل التقليدي داخل نفس الولاية، ابتداء من الأربعاء 17 سبتمبر الجاري، وإلى غاية 21 من نفس الشهر، حصرياً عبر النظام المعلوماتي للقطاع.
وجاء هذا القرار بعد موجة من الانتقادات التي طالت مخرجات الأرضية الرقمية الخاصة بالحركة التنقلية السنوية، والتي اعتُبرت من طرف الكثير من المعنيين غير منصفة في عديد الحالات، حيث أبقت على وضعيات غير عادلة، ولم تراعِ بشكل كافٍ الظروف الاجتماعية والمهنية لعدد معتبر من الأساتذة.
خلفيات وضغوط ميدانية.. ورغبة في تقريب الأستاذ
وفي هذا الصدد، لفتت مصادر “الشروق” إلى أنه منذ سنوات، ظلّ مطلب فتح التحويلات والتبادلات التقليدية بين الأساتذة على مستوى الولاية، مطروحاً بإلحاح من طرف النقابات وممثلي الأساتذة، باعتباره حلاً عملياً لمعالجة جملة من الإشكالات التي يفرزها توزيع المناصب المالية عبر آلية الحركة التنقلية السنوية التي يجرى فتحها سنويا من قبل الوزارة.
وعليه، فإن العديد من الأساتذة يجدون أنفسهم مجبرين على العمل في مؤسسات بعيدة عن مقر سكناهم أو عن مراكز الاهتمام الاجتماعي لعائلاتهم، في وقت يتواجد فيه زملاء آخرون في مؤسسات قريبة، لكنهم يرغبون في الانتقال إلى مناطق أخرى. ومن ثمّ، يصبح ما يعرف اصطلاحا بـ”التبادل التقليدي”، حلاً عادلاً يحقق المعادلة المتوازنة، وهي تقريب الأستاذ من محيطه العائلي والاجتماعي، وضمان استقرار المؤسسات التربوية في آن واحد.
وفي نفس الإطار، أشارت مصادرنا إلى أن قرار الوزارة الوصية، قد جاء أيضاً في سياق خاص، حيث عرف الموسم الدراسي الحالي جدلاً واسعاً حول نتائج الحركة التنقلية عبر المنصة الرقمية، التي أفرزت – حسب شهادات نقابية وتربوية – “مخرجات غير عادلة”، تمثلت في بقاء بعض الأساتذة عالقين في مناطق نائية، رغم وجود طلبات مقابلة لتبادل أماكنهم.
وفي مقابل ذلك، تم رفض ملفات أخرى لأسباب تقنية أو بسبب صرامة الشروط الآلية للنظام المعلوماتي. وبذلك، يكون فتح “التحويل التقليدي”، بمثابة تصحيح لهذه الاختلالات، وتدارك لثغرات المرحلة الأولى من العملية، تشرح مصادرنا.
هذه آليات العملية.. تنظيم محكم عبر المنصة الرقمية
وبناء على ما سبق، فإن البيان الصادر عن الوصاية قد حدد بدقة المراحل الزمنية والإجرائية للعملية، بما يضمن الشفافية والصرامة التنظيمية، بحيث تم تخصيص الفترة الممتدة من الـ17 وإلى غاية 21 سبتمبر الجاري، لإيداع الطلبات عبر المنصة الرقمية، لتتولى مصالح مديريات التربية للولايات المختصة، مهمة التأكد من صحة معلومات الأساتذة والتدقيق في ملفاتهم، وذلك ابتداء من تاريخ الـ18 سبتمبر وإلى غاية اليوم الأول من الدخول المدرسي الجديد “أي 21 من نفس الشهر.”
وبعدها يختار كل أستاذ مؤسسة تعليمية واحدة يرغب في التبادل معها، من بين المؤسسات المتاحة على الأرضية الرقمية، وذلك خلال الفترة من 23 سبتمبر وإلى غاية 24 منه، في حين تجرى عملية معالجة الطلبات آلياً عبر النظام المعلوماتي، لتُعلن النتائج يوم 25 سبتمبر كأقصى تقدير، على أن يلتحق الأساتذة المقبولون بمؤسساتهم التربوية الجديدة يوم 28 سبتمبر، وفق رزنامة مضبوطة تراعي الجوانب البيداغوجية والعملية.
وبهذا الترتيب، يتضح أن الوزارة سعت إلى تسيير العملية بشكل مضبوط، يضمن العدالة والوضوح، مع الاعتماد حصرياً على الفضاء الرقمي، ما يحدّ من أي تدخل بشري أو شبهات المحاباة.
تفعيل الإجراء القديم الجديد.. استجابة لمطالب طال انتظارها
وبالاستناد إلى ما سبق، أوضحت مصادرنا أن النقابات التربوية كانت السبّاقة إلى المطالبة بهذا الإجراء منذ سنوات، حيث أكدت مراراً على أن فتح التحويلات التقليدية بين الأساتذة على المستوى المحلي “نفس الولاية”، يعدّ من بين الحلول العملية التي تسهم في استقرار القطاع، بحيث شددت بعض التنظيمات في بياناتها الأخيرة على أنّ مخرجات الأرضية الرقمية لا تعكس دائماً الواقع الميداني، وأن الكثير من الأساتذة تضرروا منها بشكل مباشر. لذلك، رُحّب بالقرار الجديد على نطاق واسع، واعتُبر بمثابة “تدارك لوضعية غير منصفة” و”انتصار لنداءات القاعدة التربوية”.
التبادل التقليدي للحد من موجات الغيابات والتنقلات الطارئة
وإلى ذلك، أبرزت ذات المصادر، أن أثر فتح التبادل لا يقتصر فقط على حل مشكلة فردية للأستاذ فقط، بل يتعداها إلى جوانب أخرى أكثر عمقاً، وبالتالي، فإن قرب الأستاذ من مكان سكناه أو ممارسته لوظيفته في ظروف اجتماعية تناسبه، سينعكس إيجابا على مردوديته داخل القسم، وبالتالي تحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي له.
وإلى جانب ذلك، فإن الإجراء الجديد يساهم، لا محالة، في التقليل من التنقلات المرهقة، فالكثير من الأساتذة يعانون يومياً من مشقة التنقل لمسافات طويلة، الأمر الذي ينعكس سلباً على طاقاتهم وصحتهم، بالإضافة إلى تحسين الأداء البيداغوجي، وبالتالي، فالأستاذ المستقر نفسياً ومهنياً يكون أكثر تركيزاً وعطاءً داخل القسم.
فضلا على ذلك، فإن القرار سيعمل أيضا على المحافظة على استقرار المؤسسات التعليمية، وذلك عبر الحد من موجات الغيابات أو طلبات الاستقالة والتنقلات الطارئة، مما يسهل التخطيط التربوي والإداري.
قرار تربوي جديد.. من الانتقادات إلى التدارك
وأفادت المصادر نفسها، أن الموسم الدراسي الحالي قد شكّل اختباراً حقيقياً لمدى نجاعة الرقمنة في قطاع التربية، فبينما اعتُبرت الأرضية الرقمية مكسباً في جانب الشفافية، إلا أنها أفرزت في المقابل، مخرجات اعتُبرت غير عادلة في عديد الولايات، حيث أن صرامة النظام المعلوماتي وعدم أخذه في الحسبان بعض الحالات الاجتماعية الخاصة، جعلت الأساتذة يرفعون أصواتهم مطالبين بحلول بديلة، ليأتي القرار الجديد ليؤكد أن الوزارة ليست بمنأى عن هذه المطالب، وأنها قادرة على تصحيح المسار كلما اقتضت الضرورة.
ورغم الترحيب الواسع بالقرار، إلا أن بعض المتابعين يشيرون إلى أن نجاح العملية مرتبط بمدى فعالية تطبيقها ميدانياً، إذ أن التحديات تكمن في ضمان شفافية الاختيارات عبر المنصة، بالإضافة إلى معالجة كل الملفات في آجالها المحددة من دون تأخير، فضلا عن توفير المرافقة التقنية للأساتذة الذين قد يجدون صعوبة في التعامل مع المنصة الرقمية، إلى جانب تفادي أي تضارب في النتائج أو تأويلات قد تعيد النقاش إلى نقطة الصفر.
ويمكن الجزم أن فتح التبادل بين الأساتذة في نفس الولاية يُعدّ محطة مهمة في مسار إصلاح آليات الحركة التنقلية في قطاع التربية، فهو إجراء يعكس – من جهة – وعي الوزارة بأهمية الاستماع لمطالب القاعدة التربوية، ويجسد – من جهة أخرى – مرونة في التعامل مع مخرجات الأرضية الرقمية، التي لم تلبِّ تطلعات الجميع. وإذا ما كُتب للعملية النجاح في تطبيقها الميداني، فإنها ستفتح الباب أمام إصلاحات أوسع، تعزز العدالة والشفافية وتحقق الاستقرار المنشود للمدرسة الجزائرية.
وبهذا، تكون وزارة التربية قد خطت خطوة إضافية في سبيل تقريب الأستاذ من محيطه، والتأكيد أن الإصلاح التربوي لا يكتمل إلا بمشاركة فعلية لجنود الصف الأول في الميدان وهم الأساتذة.