الرأي

تلاميذ أم فئران تجارب؟

الشروق أونلاين
  • 2841
  • 0

على مرّ‮ ‬سنوات عديدة،‮ ‬وتلاميذ مدارسنا‮ ‬يئنّون تحت وطأة مختبرات وزارة التربية،‮ ‬وكأنهم فئران تجارب،‮ ‬تتجدد نحوهم التجارب كلما تجدد تعاقب الوزراء عليهم،‮ ‬وفي‮ ‬كل مرة تنعقد ندوة أو مؤتمر بخصوصهم تظهر شناعة هذه التجارب أكثر فأكثر،‮ ‬فمنذ أن استولى أبو بكر بن بوزيد على مبنى محمد بوجعطيط لمدة تقارب‮ ‬16‮ ‬سنة،‮ ‬إلى‮ ‬غاية حقبة نورية بن‮ ‬غبريط،‮ ‬مروراً‮ ‬بعهدة بابا أحمد،‮ ‬ومنظومة التربية تتخبط في‮ ‬‭”‬دهاليس مختبرات التشريح‮” ‬الشنعاء،‮ ‬والتي‮ ‬تتم على واقع توصياتهم وإشرافهم،‮ ‬وعلى امتداد تعاقب عهداتهم دائماً‮ ‬ما كانوا هؤلاء الوزراء‮ ‬يبتعدون عن نهج أساتذتهم ومعلّمهم كالشريف بلقاسم،‮ ‬وأحمد طالب الإبراهيمي،‮ ‬وزهور ونيسي‮ ‬وغيرهم من الثلة الذين قادوا ترسانة التربية والتعليم في‮ ‬تلك الفترة،‮ ‬على أساس‮ ” ‬إصلاح المدرسة‮” ‬بأصولها الثابتة،‮ ‬وليس على هشاشة‮ ‬‭”‬إصلاح المدرسة البوزيدية‮” ‬أو‮ “‬الغبريطية‮”.‬

وما الندوة الوطنية الأخيرة،‮ ‬التي‮ ‬انعقدت‮ ‬يومي‮ ‬25‮ ‬و26‮ ‬جويلية بقصر الأمم،‮ ‬والذي‮ ‬افتتحها رئيس الحكومة،‮ ‬بنبراته الساخرة،‮ ‬على ضحكات وزيرة التربية المتمايلة،‮ ‬إلا دليلاً‮ ‬على ذلك،‮ ‬هذه الندوة التي‮ ‬انبثقت أصلا من أجل تقييم وإصلاح المدرسة،‮ ‬جاءت مرة أخرى لترجع إلى نقطة الصفر،‮ ‬وتتكيف من جديد مع المعايير الدولية بـ‮ ‬36‮ ‬أسبوعاً‮ ‬دراسة،‮ ‬مع الرجوع لسياسة المداولات في‮ ‬البكالوريا إزاء العودة للعمل بالإنقاذ،‮ ‬ناهيك عن ابتداع قوانين جديدة كإلغاء العمل بموضوعين اختياريين وهو النمط الممنهج قديماً‮ ‬في‮ ‬الامتحانات الرسمية،‮ ‬مع زيادة اختبار شفهي‮ ‬في‮ ‬اللغات،‮ ‬وأمور أخرى‮ ‬يطول شرحها‮.  ‬

من الجميل أن تنعقد ندوات ومؤتمرات جدية،‮ ‬تحمل طابع الموضوعية والاحترافية ما بين الفينة والأخرى،‮ ‬حيث تتغير فيه الأمور الشكلية،‮ ‬والمتغيرات الطارئة،‮ ‬لكن أن تقوم كل وزارة جديدة بإصلاح جذري‮ ‬عمّا قامت به الوزارة القديمة،‮ ‬وتبديل ما تم تحسينه من قبل،‮ ‬ويتكرر ذلك في‮ ‬كل مرة،‮ ‬فهذا ما نسميه العبث بعينه،‮ ‬وهذا ما حوّل التلاميذ فعلاً،‮ ‬إلى فئران تجارب على‮ ‬يد دخلاء التربية الذين باتوا كجراحين مبتدئين‮ ‬يقومون بعمليات جراحية على حيوانات أليفة لا حول ولا قوة لها،‮ ‬إلا أنها تحت رحمة هؤلاء الجزارين لعلهم‮ ‬يجدون علاجاً‮ ‬لمن سيأتي‮ ‬بعدهم،‮ ‬أو على الأقل كسماسرة العلاج بالمسكنات الذين‮ ‬يقدمون أدوية ليعالجوا بها مرضاً‮ ‬معينا‮ ‬ًويسببون بها أعراضاً‮ ‬أخرى أكثر خطورة‮.‬

حسناً،‮ ‬من الغريب أن‮ ‬يتحدث بعض مسؤولي‮ ‬الندوة عن التجربة الألمانية بطريقتهم الذاتية،‮ ‬ألا‮ ‬يعلم هؤلاء أن الندوات تنعقد في‮ ‬هذه الدولة لمعالجة مشاكل‮ ‬10‮ ‬سنوات قادمة أو‮ ‬5‮ ‬سنوات على أقل تقدير،‮ ‬بما في‮ ‬ذلك نزاعات النقابات،‮ ‬والأحوال الاجتماعية،‮ ‬وأجور المعلمين وغير ذلك من المشاكل الشائكة في‮ ‬هذا القطاع؟ إلى متى سنستمر في‮ ‬حل الأزمات الكبيرة بطريقة آنية،‮ ‬لنجتمع قبل شهر من الدخول المدرسي‮ ‬ونعالج مشاكل‮ ‬يتطلب منا سنوات لحلها،‮ ‬ثم نعيد تغيير كل شيء في‮ ‬نفس السنة الدراسية بانعقاد ندوات تعيد تهديم كل شيء قبلها بسبب الرؤية المحدودة للوزارة الوصية؟ بالله عليكم هل‮ ‬يمكن حل مشاكل تراجع نتائج‮ ‬10‮ ‬ولايات بالجنوب في‮ ‬يوم واحد،‮ ‬حجم هذه المدن مجتمعة تمثل‮ ‬4‮ ‬أضعاف مساحة ألمانيا،‮ ‬مع صعوبة مناخها وتباعد مرافقها المعيشية بما في‮ ‬ذلك التعليمية والتربوية؟ حتى الأربعة أيام المزمع تنظيمها في‮ ‬ملتقى جهوي‮ ‬بولاية الأغواط للوصول إلى‮ “‬حلول نهائية‮” ‬كما تدعي‮ ‬الوزارة،‮ ‬فإنه‮ ‬غير ممكن‮.‬

مع الأسف،‮ ‬لا نزال نعيش في‮ ‬بلد منظومته التربوية تقام على مسارحها ندوات ذات رؤية محدودة،‮ ‬مصبوغة بحلول مؤقتة،‮ ‬لتجري‮ ‬في‮ ‬الأخير تجارب على فلذات أكبادها وكأنهم فئران تجارب،‮ ‬اعتقاداً‮ ‬منها أن هذه التجارب تقربها أكثر لتحسين الأوضاع التعليمة،‮ ‬وهي‮ ‬عكس ذلك تماماً‮.‬

 

* ‬مؤلف وكاتب جزائري

مقالات ذات صلة